بقلم: محمد حفيظ*
ما يزال البعض يشغل نفسه إلى درجة “التعذيب الذاتي“بطرح أسئلة من قبيل: من هم هؤلاء الذين بادروا إلىتأسيس مجموعة “جيل Z“؟ من أين جاؤوا؟ وما أهدافهم؟وما الأجندة التي يخدمونها؟ ومن يقف وراءهم؟ وما الجهةالتي استدرجتهم ليتظاهروا في عرض الشارع العاموطوله؟؟؟… إلى غيرها من الأسئلة الميتافيزيقية التي تنأىعن الواقع وتسبح في التجريد، وتنفصل عن هموم جيل من الشباب المغربي وعن قضايا المواطنين اليومية.
ورغم أن هؤلاء يتابعون فقط هذه التظاهرات عن بعد، وقد لا يتابعونها لأسباب أو أخرى، فإنهم يتساءلون: كيفنخرج للتظاهر في الشارع والداعي مجهول؟!…
ينتظرون من يُبلغهم الأجوبة ليكشف لهم من أطلق الشرارة الأولى لهذه الحركة وأين ستنتهي. يشغلهم مبتدأها وخبرها، بل تجدهم منشغلين حتى بظرفهاوحالها، فيرفعون سوط “الظرفية السياسية الحالية” و”الظرفية الاقتصادية الحالية” و”الظرفية الجيوسياسية الحالية” في وجه من يرفع صوته من أجل مطالب اجتماعية مشروعة الآن وغدا وقبل الآن.
إن هؤلاء “الناشطين” في لَوْك مثل هذه الأسئلة إنما يبررون التعامل القمعي الوحشي مع شباب خرجوا ليطالبوا بتعليم عمومي جيد وبصحة عمومية متاحة للجميع وبمحاربة الفساد. ولم يعد مثيرا، أمام “المراجعات النضالية” المعروضة في “السوق السياسية”، أن يكون بعضهم ممن مروا بتنظيمات سياسية كانت تضع هذه المطالب ضمن أولوياتها النضالية وتدعم احتجاج المواطنين في الشارع وتؤمن بدور الجماهير الشعبية في إحداث التغيير. إذا كان هذا حال هؤلاء، فلا يمكن أن نؤاخذ من مر بالنضال مرور الكرام، أو ربما فقط جاور مناضلين أو اقترب منهم في مرحلة من مراحلعمره.
إن مثل هذه المواقف لا هي جديدة ولا هي اكتشاف علميباهر. فقد جُوبِه بها شباب حركة 20 فبراير عند خروجهمللتظاهر قبل 14 سنة. والجميع يعلم من كان تَجَنَّدَلمحاربة تلك الحركة، بدعوى أنه لا يعلم من يقف وراءهاولا الشعارات التي سترفعها. وظل يتباهى بذلك، في كلمناسبة وحين، بل ويدعي بلا حياء أنه لولا موقفه ذاك ضد حركة 20 فبراير لحدث لهذا البلد ما لا يحمد عقباه، كمالو أن المغرب دولة طارئة على التاريخ، وأن استمرارهايتوقف على مثل هذه المواقف التي تُنكر على مواطنيهاحقهم في الاحتجاج والغضب ورفع أصواتهم وإعلان مطالبهم!
والحال أن الدولة نفسها لم تطرح هذه الأسئلة الميتافيزيقية، عندما خرجت حركة 20 فبراير إلى الشوارع بمختلف المدن المغربية مطالبة بالإصلاحات السياسيةوالدستورية ومحاربة الفساد. لقد تعاملت الدولة آنذاك مع الواقع بواقعية، حين وجدت نفسها مضطرة إلى التفاعل مع الحركة ومع شبابها الذين كانوا من الأسباب المباشرةلما سيُقْدِم عليه الملك، بعد أسبوعين، في خطاب 9 مارس 2011، الذي أعلن فيه عن الإصلاح الدستوري، وهو ما سيُسفر، بعد أقل من أربعة شهور، عن دستور 2011.
من يطرح مثل هذه الأسئلة، وهي في الحقيقة أجوبةيُضمر بها أصحابها موقفهم السلبي تجاه حركات تخرجمن رحم المجتمع، وتنتمي إلى عصرها من حيث وسائلالتواصل وأدوات التعبئة وأنماط الخطاب، إنما يكشف عنمسافة تفصله عن الواقع. من يطرح مثل هذه الأسئلة،وهو بالطبع لا ينتظر أجوبة، فهو ما زال يعيش في عالمقديم؛ عالم ينتمي إلى ما قبل التاريخ الرقمي.
لقد أوجد الزمن الرقمي فضاءاته المفتوحة للحوار والنقاشوالتداول واتخاذ القرار… فضاءات لم تعد المقرات المغلقةولا كراسيها أو طاولاتها ولا ما يجري بين جدرانهاتستهويه أو تحتمل أصواته الجديدة.
وليس من حق هؤلاء “السائلين” المجتهدين الذين ينوبونعن “المسؤولين” المتقاعسين أن يفرضوا على شباب اليومالعيش في زمنهم، والعودة إلى زمن ما قبل التاريخالرقمي. من اختار أن يعيش في الماضي فذلك شأنه، لكنليس من حقه أن يفرض على شباب اليوم أن يرافقه فيهذه الهجرة المعاكسة لمسار التاريخ، والمناهضة للتقدم.ومن لا يرى في مثل هذه الحركات سوى الفوضى،فمشكلته ليست معها، بل مع فكرة التقدم نفسها.
ومن دروس التاريخ أنه لا يعود إلى الوراء. نعم، يتيح لنا النظر إلى الماضي لنعرف أحداثه ونحاول فهم وقائعه،لكنه لا يسمح لنا باستعادتها لنعيشها من جديد. ومن يتوهم أنه يفعل ذلك، فإنه في الواقع لا يسترجع سوى نسخ مشوهة؛ فلا هو يعيش الحاضر، ولا هو فهم الماضي.
* أستاذ جامعي ومدير سابق لجريدة “الصحيفة”

