بقلم: خديجة براضي
لم تعد المسابقات القارية أو الدولية تقتصر على التنافس الرياضي، بل تحولت إلى مختبرات حقيقية تُنتج “السرديات الوطنية” وتُعيد تشكيل التمثلات الجماعية أمام العالم. يبرز هنا مفهوم بنديكت أندرسون حول “الجماعات المتخيلة”؛ إذ تكرس الرياضة طقسا عصريا يوحد الأمة ويمنحها شعورا بالاستمرارية والتميز.
إلا أن هذا “المتخيل” يتطلب آلية إعلامية تضبط إيقاع التأويلات بحرفية. فلا يكفي التميز اللوجستيكي- التنظيمي لتحقيق الإشعاع المنشود ما لم يستند إلى “صناعة محتوى استراتيجي”؛ حيث يتكفل هذا المضمون بتحصين المكتسبات الوطنية من محاولات التنميط السلبي أو الاختزال التي ترافق التنافس الإقليمي والدولي، وبذلك ينتقل الحدث الرياضي من مجرد واقعة عابرة ليصبح جزءا أصيلا من الهوية الوطنية المعترف بها في “سوق الرموز” العالمي.
معضلة الفراغ ومعركة المبادرة التواصلية-الإعلامية
تُظهر القراءة النقدية لتظاهرة “الكان” الأخيرة أن “الفراغ الإعلامي” يمثل البيئة الخصبة التي تنمو فيها المغالطات والسرديات البديلة. يؤكد السوسيولوجي مانويل كاستيلز في تحليله لسلطة الاتصال أن “القدرة على برمجة الشبكات الإعلامية هي التي تحدد من يملك القوة في مجتمع الشبكات”.
فعندما تغيب الرواية الاستباقية والمتماسكة، يُفسح المجال تلقائيا أمام فاعلين خارجيين يعيدون تعريف الواقع المحلي وفق أجندات خاصة. ولا يعد الاستثمار في الإعلام هنا ترفا مؤسساتيا، بل يمثل ضرورة وجودية لملء “الفراغ السردي” برواية تمتلك المصداقية وتفرض “الأجندة الذهنية” ، فالإعلام القوي لا يكتفي بالدفاع أو “رد الفعل”، بل يبادر بتحديد “ماذا يفكر” الجمهور الدولي و”كيف يفكر” بشأن المنجز الوطني.
وتتطلب مواجهة حملات التشويه الممنهجة انتقالا جذريا من الخطاب العاطفي الانفعالي إلى “خطاب مؤسساتي” رصين يرتكز على الحجة والبيان وتعدد اللغات. يميل الجمهور الدولي المعاصر، الذي يصفه زيجمونت باومان بمجتمع “الحداثة السائلة”، إلى الاقتناع بالحقائق التي تُقدم في قالب مهني بعيد عن الشعارات التمجيدية.
لذا، يستوجب بناء مؤسسات إعلامية تملك “نفسا استراتيجيا” قادرا على شرح النجاحات كناتج لسياسات عمومية وعمل قاعدي طويل الأمد. يجسد هذا التوجه مفهوم ماكس فيبر عن “العقلانية الأداتية” في إدارة صورة الدولة؛ حيث يُقطع الطريق أمام ادعاءات “المناورات خلف الكواليس” عبر تقديم نموذج تدبيري شفاف وقابل للقياس، مما يحول الانتقادات إلى أطروحات تفتقر للسند المنطقي.
الأمن الثقافي كحائط صد ضد الضغوط الخارجية
تعمل الحملات الإعلامية المكثفة، في عالم تتداخل فيه الحدود الرقمية، كأداة للضغط النفسي الجماعي تستهدف فك الارتباط بين المنظومة والجمهور. هنا، يتحول الإعلام إلى صمام أمان “للأمن الثقافي والاجتماعي”؛ إذ يتجاوز دوره نقل الخبر ليقوم بتحصين الوعي الجمعي ضد الاختراقات الفكرية والتضليل.
ويقوم الإعلام القوي بإعادة تأطير القضايا في سياقها الصحيح، ويمنع تحويل الملاعب إلى ساحات لتصريف التوترات السياسية المصطنعة. يطلق علماء الاجتماع السياسي على هذا “التحصين” اسم “المناعة الاجتماعية”، وهي التي تضمن الحفاظ على توازن الرأي العام، وتحميه من الانزلاق نحو صراعات جانبية تستنزف الطاقة الوطنية وتشتت الانتباه عن الأهداف التنموية الكبرى.
وعند النظر إلى الاستحقاقات العالمية المقبلة، وعلى رأسها مونديال 2030، يصبح الاستثمار في الإعلام ضرورة بنيوية توازي في قيمتها بناء الملاعب والمنشآت الكبرى. لأنه لا تُقاس قوة الدولة الحديثة فقط بصلابة بنيتها التحتية، بل تظهر في مدى قدرتها على تسويق نموذجها الحضاري عبر ترسانة إعلامية رقمية عابرة للحدود.
تُكسب المعركة الحقيقية في العصر الرقمي خلف الميكروفونات وعدسات الكاميرا ومن خلال خوارزميات التأثير؛ فبينما تُشيد الملاعب بالأسمنت والحديد، تُبنى السمعة من خلال امتلاك ناصية الحقيقة والقدرة على ترويجها.
أعلن المغرب، الجمعة، عن مبادرة جديدة داخل الأمم المتحدة تروم تعزيز التعاون جنوب-جنوب والتعاون الثلاثي،…
تتجه الأنظار إلى جزر الكناري الإسبانية، غدا الأحد، مع اقتراب وصول سفينة الرحلات البحرية “MV…
اختتم المغرب والولايات المتحدة، الجمعة بمنطقة كاب درعة شمال طانطان، مناورات “الأسد الإفريقي 2026”، وسط…
سجل الدرهم المغربي ارتفاعًا أمام الدولار الأمريكي خلال الأسبوع الممتد بين 30 أبريل و6 ماي…
تفاعل الأمين العام لحزب المغربي الحر، إسحاق شارية، مع الجدل الذي رافق التحاق الناشطة سيليا…
تقدّم النائب البرلماني محمد ودمين، بسؤال كتابي إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، دعا فيه إلى…
This website uses cookies.