بقلم: ابتسام مشكور
القاهرة، أكتوبر 2016.
جئت لتغطية حدثين فنيين: مهرجان الموسيقى العربية في يوبيله الفضي “25 سنة”، ومهرجان تلفزيوني في دورته السابعة.
في مفكرتي لائحة أسماء أريد مقابلتها، “غنمت ما تيسر من حوارات” وفي رأسي سؤال سيلازمني طويلا:
كيف تنظر الشعوب إلى نفسها في مرآة فنها؟
من الخارج، كان المشهد يوحي بحدث كبير.
نجوم، أضواء، وأناقة تذيب الحدود بين الفنانات والإعلاميات.
زخم مناسبة من تلك التي تصنعها العواصم الكبرى.
لكن الحقيقة كانت أخرى.
كما يقال: Les apparences sont trompeuses.
البساط الأحمر لم يكن أكثر من ممر ضيق داخل طابق فندقي.
الصحفيون متكدسون على جانب واحد، والمصورون يتشاجرون على الزوايا.
نظرت إلى المصور الذي رافقني، فقال بهدوء:
هنا المهنية اختبار صبر لا أكثر، ثم اعتذر مسبقا عن جودة التصوير.
لم يكن المكان فاخرا.
لكن كان فيه شيء لا توفره الميزانيات.
شيء اسمه: معنى.
سلمت على سميرة سعيد.
نظرت إلي، وبالدارجة قالت إنها سعيدة بحضور الصحافة المغربية.
لم تكن مجاملة من فنانة كبيرة.
كانت، دون أن تقصد، إشارة إلى غياب.
توقفت طويلا عند تلك اللحظة.
لماذا لا نحن؟
ليس غيرة من مصر،
بل مساءلة حقيقية:
كيف تحلم الدراما الرمضانية المغربية بالاعتراف في الخارج، وهي لم تنله بعد في عقر دارها؟
في البيت الذي يشاهدها، ويتحدث لغتها، ويتابع نجومها. كيف تستحوذ على النقاش اليومي في الشوارع والمقاهي، وتشغل دنيا الناس طيلة شهر الصوم، وتُصرف عليها مليارات السنتيمات من المال العام والخاص، ثم تطوى صفحتها بعد آخر “زلافة حريرة”، دون أن يسألها أحد: ماذا قدّمت؟
هذا ليس سؤال مهرجان.
هذا سؤال هوية، وعلاقة شعب بإنتاجه الثقافي.
وطريقة نظره إلى نفسه من خلال فنه.
فالشعوب التي لا تهتم بفنها، مصيرها النسيان.
الإمكانيات لا تصنع الأحداث. الإيمان يصنعها.
هذا ما علّمتني إياه القاهرة.
نجاح مثل هذه التجارب لا يقوم على ثقل الداعمين، بل على تماسك الفاعلين حول معنى مشترك: فكرة واضحة، وإيمان جماعي، وروح تضامن حقيقية.
من تلك اللحظة ولدت الفكرة.
وبعد أربع سنوات، خرجت إلى النور عام 2020:
“جوائز الدراما الرمضانية”.
موعد سنوي بعد كل عيد، للاعتراف بالدراما المغربية وتكريم صناعها.
فكرة احتضنتها مؤسسة “سفيركم” الإعلامية، وجعلت منها موعدا يسعى إلى ترسيخ ثقافة الاعتراف في سياق يستهلك المبادرات ثم يتركها تذبل وتموت.
تكفي الإشارة إلى “ليلة الجامور”: مبادرة توفر لها دعم مؤسسي وإعلامي وازن، ولم تصمد إلا ثلاث دورات.
أما نحن، فقد صمدنا ست، بإمكانيات أقل بكثير.
الفارق ليس في الميزانية،
الفارق في القناعة.
أكثر من مرة فكرت في التوقف. فعلا.
لكن إصراري كان أعند.
لأن التوقف يعني القبول،
والقبول خطيئة لا يغفرها التاريخ.
الإشكال لم يكن يوما في غياب الإمكانيات،
بل في وعي متأخر بقيمة ما يصنعه الفن في حياة الشعوب ومسارها.
والفرق بين الاثنين حضاري، لا مالي.
الدراما الرمضانية ليست برامج ترفيه.
هي الذاكرة الجماعية لشعب،
والسردية التي تحكي بها هذه الأمة نفسها.
كما قال Federico Fellini:
“كل الفن سيرة ذاتية.”
وإذا كان الأمر كذلك،
فالدراما المغربية سيرتنا نحن، وذاكرتنا نحن.
وإن فرّطنا فيها نحن… فمن يحكي عنا؟

