في سياق التحولات المتسارعة التي تعرفها ديناميات الهجرة في الفضاء الأورو-متوسطي، تبرز الهجرة المغربية نحو إسبانيا كنموذج مركب يتجاوز المقاربات التقليدية. في هذا الحوار، يقدم عبد الرزاق كبوري، مدير المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية، قراءة تحليلية معمقة في أبعاد هذه الظاهرة. من تطورها التاريخي إلى تمظهراتها الراهنة، وصولا إلى موقع المغرب داخل منظومة الحكامة العابرة للحدود.
كيف تقرأون التحولات التي عرفتها الهجرة المغربية نحو إسبانيا في السنوات الأخيرة؟
تندرج الهجرة المغربية نحو إسبانيا ضمن نظام معقد من الحكامة العمومية العابرة للحدود المتعددة الفاعلين: (المغرب، إسبانيا، الاتحاد الأوروبي). ولعل هذا النظام الذي يؤطر الهجرة اليوم، يمثل نهاية مسار لظاهرة مرت من مراحل متعددة انطلقت بتدفقات هجروية اجتماعية واقتصادية تلقائية إلى هجرة مؤطرة باتفاقيات ثنائية، مؤمنة أمنيا داخل الفضاء الأوروبي.
لقد أضحت هذه الظاهرة اليوم نتيجة لتفاعل مركب بين السياسات الوطنية من جهة، وتحولات سوق العمل الإسباني وحاجياته من جهة ثانية، وآليات الحكامة الأورو- متوسطية. ويبدو أن هذا الواقع الجديد يدفعنا لطرح أسئلة متعددة حول طبيعة البنية الديموغرافية الجديدة للجالية المغربية في إسبانيا. هل انتقلت وظيفة هذه البنية من وظيفة اجتماعية إلى وظيفة اقتصادية؟ وهل وظيفتها الجديدة ساهمت في تشجيع الدولة الإسبانية على اعتماد سياسات عمومية لمعالجة الهجرة غير النظامية ؟ وكيف ساهم ذلك في بروز المغرب كفاعل إقليمي في هذا النظام المعقد للحكامة العمومية العابرة للحدود؟
ماذا تكشف المعطيات الرقمية حول البنية الديموغرافية للجالية المغربية بإسبانيا؟
تشير المعطيات الإحصائية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء في إسبانيا إلى أن عدد المغاربة الحاملين للجنسية المغربية والمقيمين بصفة قانونية في إسبانيا، بلغ حوالي 968,999 فردا إلى حدود أبريل 2025. كما تفيد نفس المعطيات بأن ما يقارب 42,000 مغربي حصلوا على الجنسية الإسبانية خلال سنة 2024. وهو ما يعكس دينامية متسارعة في مسارات الإدماج القانوني والمؤسساتي داخل المجتمع الإسباني. ويمثل المغاربة وفق هذه الأرقام، حوالي 14% من مجموع الأجانب المقيمين بإسبانيا. مما يجعلهم الفئة الأجنبية الأولى من حيث الوزن الديموغرافي.
ولا تقف دلالة هذه الأرقام عند بعدها الكمي، بل تكشف عن تحول نوعي في طبيعة الهجرة المغربية. حيث لم تعد تفهم باعتبارها ظاهرة ظرفية أو هامشية مرتبطة بسوق الشغل فقط، بل أضحت بنية اجتماعية مستقرة ومتجذرة. تتقاطع فيها الأبعاد الاقتصادية (الاندماج في سوق العمل)، والسياسية (المشاركة والتمثيلية)، والقانونية (الحصول على الجنسية وتسوية الوضعية). ولعل هذا التحول العميق هو الذي فرض إعادة التفكير في مقاربات جديدة ترجمت إلى سياسات عمومية.
ما هي أبرز ملامح السياسات العمومية التي تعتمدها إسبانيا في تدبير ملف الهجرة؟
استندت هذه السياسات إلى ثلاث مقاربات أساسية. أولها المقاربة الأمنية، حيث تم تشديد الرقابة على المسارات التقليدية، خاصة عبر مضيق جبل طارق. بهدف التحكم في التدفقات الهجروية وما تنطوي عليه من مخاطر أمنية وسياسية. إذ تشير بيانات وكالة Frontex الأوروبية إلى تسجيل تراجع نسبي في هذه المسارات خلال سنتي 2024–2025 مقارنة بسنة 2023، التي شهدت ما بين 56 ألفا و60 ألف حالة وصول غير نظامي إلى إسبانيا.
ويعزى هذا التراجع إلى تعزيز التعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا، باعتبارهما شريكين موثوقين، من خلال المراقبة المشتركة للسواحل وتبادل المعلومات الاستخباراتية. غير أن هذا التشديد ساهم، في المقابل، في إعادة توجيه جزء من التدفقات نحو مسارات بديلة، خاصة جزر الكناري.
والمقاربة الثانية هي الإدماج القانوني، فيعد الإدماج القانوني مدخلا أساسيا لباقي أشكال الإدماج (الاقتصادي، الاجتماعي، والثقافي). إذ كلما استقرت الوضعية القانونية للمهاجرين تعززت قدرتهم على الاندماج والمشاركة الفعالة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. ويمر هذا الإدماج عبر مراحل متعددة. تبدأ بتسوية الوضعية الإدارية والحصول على تصاريح الإقامة، وقد تنتهي باكتساب الجنسية الإسبانية، التي تمثل أعلى درجات الاندماج القانوني والمؤسساتي.
والمقاربة الثالثة هي الإدماج الاقتصادي. فتظهر التجربة الإسبانية أن الهجرة لا تمثل فقط تحديا اجتماعيا، بل تعد أيضا آلية تنظيمية لسوق الشغل. إذ تعتمد قطاعات حيوية، مثل الفلاحة والبناء والخدمات، بشكل ملحوظ على اليد العاملة المهاجرة، خاصة القادمة من المغرب. والتي تتميز بالمرونة المهنية والقدرة على الاندماج في ظروف عمل صعبة، إضافة إلى انخفاض تكلفتها مقارنة باليد العاملة المحلية.
وبلا شك أن هذه المعطيات سابقة الذكر، هي التي تفسر لنا الأرقام التي تشير إليها الإحصاءات الصادرة عن وزارة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة في إسبانيا. إذ تفيد بأن الأجانب يشكلون نسبة مهمة من القوة العاملة، تقدر بحوالي 14%.
و لعل هذا الوضع يجعل من الهجرة عنصرا بنيويا في توازنات العرض والطلب داخل سوق العمل الإسباني. حيث تتعامل الدولة مع المهاجرين كفاعل اقتصادي يساهم في دعم النمو وتعزيز استدامة منظومة الحماية الاجتماعية. حيث أن مساهمة المهاجرين في توسيع القاعدة الضريبية، وارتفاع عدد المنخرطين في أنظمة الضمان الاجتماعي. يسهمان في التخفيف من آثار شيخوخة السكان وتراجع معدلات الخصوبة. وهو ما يمنح للهجرة وظيفة ديموغرافية-اقتصادية مزدوجة داخل المجتمع الإسباني.
كيف تقيمون موقع المغرب في نظام الحكامة العمومية العابرة للحدود في مجال الهجرة؟
يبرز المغرب اليوم كشريك استراتيجي فاعل في نظام الحكامة العمومية العابرة للحدود في مجال الهجرة. حيث لا يقتصر دوره على كونه فضاء للعبور أو مصدرا للتدفقات، بل يتجاوز ذلك ليؤثر بفعالية في صناعة السياسات الدولية في مجال الهجرة. في هذا الإطار، يعيد المغرب صياغة موقعه ضمن معادلة الهجرة من خلال تبني مقاربة متعددة الأبعاد تمكنه من التوفيق بين متطلبات الأمن، ورهانات التنمية، والالتزامات الحقوقية.
وتتجلى هذه السيادة في قدرة الدولة المغربية على التفاوض وإعادة توجيه السياسات الأوروبية بما يخدم مصالحه الوطنية، دون الانخراط في تبعية مطلقة. وهو ما يعكس نمطا من الحكامة التشاركية متعددة المستويات، حيث تتداخل أدوار الدولة الوطنية مع المؤسسات الدولية والجهات الإقليمية. مثل الاتحاد الأوروبي وFrontex. ولعل ذلك ما يمنحه موقعا مركزيا داخل ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الهجرة” على المستوى الإقليمي والدولي.
وبذلك، يساهم في إعادة تشكيل قواعد الحكامة الهجرية في الفضاء المتوسطي، في اتجاه يوازن بين حماية السيادة الوطنية والانخراط في الالتزامات الدولية.

