بقلم: عمر لبشيريت
قبل شهر، قدّم وزير الصحة في حكومة كيبيك استقالته وانسحب من الحياة السياسية. جاء قراره بعد معركة “كسر عظام” خاضها ضد هيئات الأطباء حول مشروع قانون يتعلق بتنظيم تعويضاتهم وساعات عملهم. وأمام رفض تلك الهيئات، لجأ الوزير إلى تفعيل بند “إقفال النقاش” (sous bâillon)، وهو إجراء برلماني استثنائي يتيح للحكومة تقليص مدة النقاش بشكل حاد وفرض المصادقة السريعة على مشاريع القوانين.
ورغم ذلك، استمر التوتر مع الأطباء، ما دفع رئيس الحكومة إلى إعادة فتح باب التفاوض والتوصل إلى اتفاق مُرضٍ للجميع. اعتبر الوزير ذلك تجاوزاً لصلاحياته و”هزيمة” سياسية في معركته لتمرير مشروعه.
شعر بالإهانة، وبأن كبرياءه مُسّ. وشعر، أيضاً، بمسؤوليته عن توتر دام شهوراً وأربك عمل المستشفيات وكليات الطب. فاختار الانسحاب.
السياسي الحقيقي لا يُختبر فقط في لحظة التعيين، بل في لحظة القرار الأصعب: متى أرحل؟
هذا السؤال معنيّ به، اليوم، وزير العدل، عبد اللطيف وهبي. وعليه أن يفكر فيه بجدية. فـ”معركته” الأخيرة انتهت عملياً بسحب الثقة السياسية منه من طرف رئيس الحكومة، أي رئيسه في العمل الحكومي. أبعد عن ملف المحامين، وتدخل رئيس الحكومة شخصياً لنزع فتيل الأزمة وإعادة المحامين إلى قاعات المحاكم، وعلّق إحالة مشروع القانون على البرلمان، وتكفّل بإدارة الحوار بنفسه.
حين يجد وزير نفسه متجاوزاً، ويضطر رئيس الحكومة إلى التدخل مباشرة للتفاوض مع الفاعلين الاجتماعيين من أجل تصحيح ما تعثر، فإن السؤال لا يعود أخلاقياً فقط، بل وظيفياً أيضاً: هل ما زال الوزير يقود الملف، أم أن الملف يُدار من فوق رأسه؟
إذا أصبح رئيس الحكومة هو من يتولى التفاوض في ملفات يفترض أنها من اختصاص وزير بعينه، فذلك مؤشر سياسي قوي على اختلال في التوازن أو ضعف في الأداء.
سياسياً، لا يمكن قراءة هذه الخطوة باعتبارها مجرد تنسيق داخلي عادي. فعندما يُسحب ملف مركزي من وزير ويتولى رئيس الحكومة تدبيره شخصياً، فذلك يعكس اختلالاً في الثقة أو في القدرة على إدارة الملف. هنا لا يتعلق الأمر باعتبارات سياسية فقط، بل بوظيفة المنصب وحدود فعاليته.
وليست هذه المرة الأولى التي تتحول فيها مبادرات الوزير، وأسلوبه في إدارة الملفات، إلى مصدر توتر. بذلك يكون قد خسر عملياً أحد أهم شروط الاستمرار: القدرة على القيادة.
عملياً، تعثر الوزير في ثلاثة ملفات كبرى اعتبرها أعمدة إصلاح منظومة العدالة. أدار هذه الملفات بنزعة استعلائية وتحدٍّ للبرلمانيين وللفاعلين الاجتماعيين. بدا كأنه يريد أن يقود الناس إلى “السعادة” رغمًا عنهم، كأنه وحده من يعرف مصلحة الجميع، ووحده من يمتلك مفاتيح الإصلاح.
أسقطت المحكمة الدستورية قانون المسطرة المدنية، منبهةً إلى وجاهة الملاحظات التي وُجهت خلال النقاش البرلماني، والتي لم يُؤخذ بها. كان ذلك تصحيحاً مؤسساتياً قاسياً، يُرجّح أن يجعل القانون لا يرى النور في الولاية الحكومية الحالية.
أما قانون المسطرة الجنائية، فقد نجا من الإحالة على المحكمة الدستورية، في سياق “توافق سياسي” داخل الأغلبية، مقابل ضعف دينامية المعارضة. غير أن عدداً من الخبراء والمهتمين بالشأن القانوني يؤكدون أن مصيره كان سيكون مختلفاً لو عُرض على رقابة المحكمة.
اليوم، أصبح عبد اللطيف وهبي مصدر توتر وإرباك، سواء في علاقته بزملائه المحامين أو داخل الفريق الحكومي. جرى عملياً إجلاسه في “قاعة الانتظار” بسحب أحد أبرز ملفاته منه. وعندما يُنتزع من الوزير ملف مركزي في اختصاصه، فإن ذلك لا يكون مجرد إجراء تقني، بل رسالة سياسية واضحة.
ولا يمكن إغفال تعثره في التقدير السياسي خلال تعامله مع قضية الصحافي حميد المهدوي، وهي محطة زادت من منسوب الجدل وأضعفت صورته كمسؤول سياسي يفترض فيه الاتزان والحس المؤسساتي.
الاستقالة ليست دائماً اعترافاً بالهزيمة. أحياناً، تكون أرقى أشكال تحمل المسؤولية. حين تتآكل الثقة، أو يتكرر الخطأ، أو يفقد المسؤول قدرته على الفعل، يصبح البقاء عبئاً على الدولة قبل أن يكون عبئاً على الشخص.
سياسياً، يبدو أن عبد اللطيف وهبي استنفد رصيده. فأخلاقياً، يتحمل جزءاً كبيرا من المسؤولية عن اختيارات المرحلة التي كان فيها على رأس حزب الأصالة والمعاصرة خلال الانتخابات الماضية، وما أفرزته من “نخب” زكّاها في المجالس المنتخبة وما تزال مثار جدل.
وزارياً، أصبح عبئاً سياسياً على الحكومة، ومحاوراً فاقداً للثقة لدى محاوريه الاجتماعيين، ومتجاوزاً داخل دواليب القرار التنفيذي.
على السيد وزير العدل، أن يكون عادلا مع نفسه، قبل غيره، وأن يحفظ كبريائه، وينتصر لاستعلائه، وينتفض لكرامته كوزير.. عليه أن يستقيل، إذا كان منسجما مع نفسه.
الأمر لا يتعلق بالفساد أو بخطأ إداري جسيم فقط. هناك فشل أخطر: الفشل السياسي البنيوي. والشرعية لا تُختزل في التعيين، بل تُستمد يومياً من القدرة على الإنجاز وبناء الثقة.
الوزير الذي يُدار ملفه من خارج اختصاصه لم يعد يمارس السلطة، بل يشغل المنصب فقط. والفرق شاسع بين ممارسة السلطة وتحمل مسؤوليتها، وبين التمسك بالكرسي في ظل انعدام الفاعلية.
الاستقالة، في مثل هذه اللحظة، لا تكون تضحية، بل واجباً دستورياً وأخلاقياً في آنٍ واحد.
"أنا مع الأحزاب كلها وباقي ماعندي فيدي تا تزكية، والحزب اللي صلح ليا غانمشي ليه"..…
تستعد سيرينا وفينوس ويليامز للعودة معا إلى منافسات الزوجي في بطولة ويمبلدون، بعدما حصلتا، الثلاثاء،…
حسم حزب الأصالة والمعاصرة، بشكل رسمي، في تزكية رئيسة المجلس الجماعي لبرشيد، منال بادل، بدائرة…
احتفى الاتحاد العام لمقاولات المغرب، الاثنين بالدار البيضاء، بمرور 20 سنة على إطلاق ميثاق المسؤولية…
أثارت تصريحات وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، بشأن استفادة فئة الشباب من…
توقعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، أن يسجل الاقتصاد المغربي نمواً بنسبة 5 % خلال…
This website uses cookies.