أعمدة رأي

عذرا عبد الوهاب الدكالي!

بقلم: ابتسام مشكور

لم يتبق في هذا البلد مساحة محرمة لم تُستبح، لا في حياة الناس، ولا في مماتهم.

الأجساد. الأعراض. المستشفيات. السيارات. البيوت. حتى المقابر.

أينما تكونوا، تدرككم ضحالتهم.

من محاسن الصدف أو مساوئها، لم أعد أدري، أن نفقد هرمين في أسبوع واحد: أمير الغناء العربي هاني شاكر، و”مرسول الحب” في الوطن العربي، الموسيقار عبد الوهاب الدكالي.

رجل أعطى للفن المغربي هوية على امتداد خمسة وستين عاما، ورفع اسم المغرب في العواصم والمهرجانات. من منا لا يتذكر أمه وهي تردد أغانيه في مطبخها صباحا، على أمواج الإذاعة الوطنية، ورائحة قهوتها المعطرة توقظك من النوم، تأخذها موسيقاه من ثقل يومها في سفر هادئ ينسيها تعبها. أيام لم يكن الكوتشات (coaches) يستعمرون البرامج الصباحية.

سيتساءل البعض عن الصدفة الحسنة في الموت.

نعم. صرنا لا نتمنى إلا الموت المستور في هذه الأيام، وألا تتربص بأهلنا كاميرات تفسد عليهم لحظات الحزن. هذا صار الدعاء، قبل طول العمر وبعده.

في القاهرة، حمت النقابة أهل شاكر، مشكورة، وصانت حرمة جنازته، بمنع ملاحقة العائلة لأخذ التصريحات، وفرض السترات على المصورين المعتمدين، وتخصيص أماكن محددة للتغطية. وأي أحد رفض التصوير، يتوقف الصحفي في الحال. العائلة هي التي تقرر. رأينا جنازة تليق بأمير.

مبادرة نعزي أنفسنا فيها نحن، لأننا لا نملك مثيلها، في بلد إسلامي لا أحد يهتم فيه بتنظيم “التنقاز” فوق القبور.

لا سترة مهنية، ولا سترة إنسانية.

الله يستر.

في جنازة الدكالي بالدار البيضاء تحولت المصحة إلى “سوق البشرية”. فُتح مزاده دقائق بعد رحيله. زوجة مكلومة وابنة محاصرة بكاميرات غرباء لا يعرفون معنى التعفف. تركض لسيارتها وتغطي وجهها بشعرها، ذكرني مشهد الشابة بالمؤثرة غيثة عصفور وهي تجري من باب المحكمة هاربة من عدسات لا تفرق بين مكلوم ومظلوم.
أينما تكونوا، تدرككم ضحالتهم.

انتهى المزاد، وبئس التجارة.

كما قال الشاعر عمر التلباني في رائعة “سوق البشرية”:

“يا شاري يا شاري خذ ما يحلى لك. ما دامت القيم انهارت، والنفس الحرة اتهانت، والناس عبيد أموات.”

غناها الراحل لكل الأزمان. خصوصا زمننا نحن.

بعيدا عن إعلام القبور، لم يُخصص الإعلام الرسمي له وثائقيا واحدا ولا”spécial” يليق بتاريخ الرجل.

حتى الفنانون غابوا. أما المسؤولون، فكفى بالغياب كلاما.

في القاهرة تزاحم الفنانون على وداع شاكر، وفي الدار البيضاء حضر قليلون من الأوفياء.

عذرا موسيقارنا.

لم أجد كلمات أرثيك بها أبلغ من معاني أغانيك.

حبيتك هكذا على بغتة، بلا منفكر، بلا منحسب حساب.
خليني نقول ما بغيت، من نهار شافوك عيني والله بك ما سخيت.
قلبي حبك وارضى بغلبك.

ويا الغادي…
تعالى تعالى ولفت خيالك
ماشي لخاطري
ما أنا إلا بشر
تسرقت راحة قلبي مني
لفراق لي بكاني

مشى غزالي ولا رجع، وخوات الدار علينا

خلا العين غي كتدمع يا يما

وخلا القلب فيه غبينة

ارجانا فالله ما تقطع

وعصفور أخضر كل فجر يجي يزورنا ويدعي الله لنا يغفر

ولهلا يزيد أكثر…

كلشي راح مع الزمان كلشي صار فخبر كان والنهاية فالحياة ما يدوم غير وجه الله.

Shortened URL
https://safircom.com/id3q
ابتسام مشكور

Recent Posts

موظفو التعليم العالي يعلنون مقاطعة الدخول الجامعي المقبل

صعدت النقابة الوطنية لموظفي التعليم العالي والأحياء الجامعية، التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، من لهجتها تجاه…

30 دقيقة ago

تعديل جديد في بورصة الدار البيضاء.. 20% سقف تغير أسعار الأسهم عند الإدراج

رفعت الهيئة المغربية لسوق الرساميل سقف التغير المسموح به لأسعار الأسهم الجديدة عند الإدراجات في…

59 دقيقة ago

مندوبية التخطيط: أكثر من ثلث المشتغلين بالمغرب يصلون إلى العمل مشيا

كشفت المندوبية السامية للتخطيط، في مذكرة جديدة حول وسائل تنقل السكان النشطين المشتغلين بين السكن…

ساعة واحدة ago

الدار البيضاء تجمع أطباء شبابا حول طب الشيخوخة

تحتضن الدار البيضاء، من 24 إلى 26 يونيو الجاري، النسخة الثانية من أيام علمية للأطباء…

12 ساعة ago

ميناء الصويرة يرفع المفرغات وقيمتها تتراجع

سجل ميناء الصويرة ارتفاعا لافتا في مفرغات الصيد الساحلي والتقليدي، إلى نهاية ماي الماضي، بعدما…

13 ساعة ago

أحكام ابتدائية ثقيلة في قضية “إسكوبار الصحراء”.. 12 سنة لبعيوي و10 للناصري

أعلنت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، مساء الخميس، أحكامها الابتدائية في ملف تاجر…

13 ساعة ago

This website uses cookies.