بقلم: عمر لبشيريت
غادر السيد عزيز أخنوش زعامةَ حزب التجمع الوطني للأحرار بالطريقة نفسها التي جرى بها استدعاؤه لترؤسه.
فالرجل، للأمانة، لم يسعَ، ولم يناضل، ولم يتصارع أو يتنافس على زعامة الحزب. طُلب منه، أو جرت المناداة عليه، لملء فراغٍ ما، فلبّى الطلب وقَبِل المهمة. دخل الرجل صامتا، وخرج صامتا..
واليوم، طُلب منه إنهاء مهامه ووضع حدّ لفترة انتدابه، ففعل. بل إن القرار فاجأ حتى زملاءه في القيادة. وتشير المعلومات المتوفرة، وهي موثوقة، إلى أن أمر المغادرة لم يكن موضوع نقاشٍ سابق، ولا تفكير أو تداول داخل الأجهزة القيادية لحزب التجمع الوطني للأحرار. خرج الرجل كما دخل.
في الواقع، كان وضع عزيز أخنوش معلقًا منذ بداية الموسم السياسي. كان يمارس مهامه، كأي تكنوقراطي، يواصل الاستعداد للانتخابات، و«يقبل»، في الوقت نفسه، إخراج الإشراف على مشاريع وأجندات مهمة من رئاسة الحكومة لصالح وزارة الداخلية. وكان آخرها انعقاد اجتماع «المجلس الحكومي» بمقر وزارة الداخلية، بحضور عشرين وزيرًا، باستثناء عزيز أخنوش، من أجل تنزيل ورش الجهوية الموسعة.
لم يكن عزيز أخنوش يتصرف كسياسي، أبدًا، ولم يسعَ إلى أن يكون رجل سياسة. ارتدى جبة الأحرار كما ارتدى سابقًا جبة الحركة الشعبية، ثم تحوّل إلى «مستقل» في فترة معينة. كان يرأس مجلس إدارة أينما نودي عليه. ولن يتأسف على المغادرة، كما لم يسعَ يومًا إلى الزعامة.
ربما كانت اللحظة الوحيدة التي «اجتهد» فيها عزيز أخنوش سياسيًا هي شروعه، مؤخرًا، في إطلاق حملة انتخابية سابقة لأوانها، قبل الجميع. ربما اطمأن إلى أن «التمديد» قادم، فتصرف، لأول مرة، كزعيم حزب. فهل أساء التقدير؟
ربما، لأن الرجل تحرك خلال الشهور الأخيرة كزعيم حزب حقيقي. طاف المغرب كله تقريبًا، وكان يتصرف وكأنه مالك الحزب وصاحبه. وهو ما لم يفعله كل من تعاقبوا على قيادة التجمع الوطني للأحرار منذ عهد الأستاذ أحمد عصمان.
الطريقة المفاجئة لإنهاء مهامه الحزبية، دون تداول مسبق أو استعداد داخل قيادة الحزب، توحي بأن الرجل بلّغ زملاءه فور توصله بقرار إنهاء مهامه، ولم يتأخر في ذلك.
ولا يمكن، أيضًا، قراءة مغادرة أخنوش للتكليف السياسي دون ربطها بما يعتمل داخل حزب الأصالة والمعاصرة. بل يمكن المجازفة بالقول إن ما وقع يُقرأ ويُفهم من داخل «البام»، وأن مغادرة أخنوش لا تعني الأحرار بقدر ما تهم، في المقام الأول، حزب الأصالة والمعاصرة.
فحزب الأصالة والمعاصرة بدون زعيم حقيقي، ولا يمكن إعادة تدوير عبد اللطيف وهبي. كان الحزب يستعد لعقد مجلسه الوطني، الشهر الماضي، للحسم في اختيار «الزعيم» الذي سيقود الانتخابات، قبل أن يُطلب فجأة تأجيله دون تقديم أسباب واضحة.
ومباشرة بعد إعلان أخنوش عدم ترشحه لزعامة الأحرار، جرى تحديد يوم 21 يناير كآخر أجل لتلقي الترشيحات لرئاسة الأحرار. ثم أعلن «البام» عن تاريخ انعقاد مجلسه الوطني يوم 24 يناير، أي بعد التعرف على لائحة مرشحي الأحرار.
غير أن حزب التجمع الوطني للأحرار قرر تمديد أجل تلقي الترشيحات إلى غاية 28 يناير، أي بعد انعقاد المجلس الوطني لـ«البام».
هذا الأخير اضطر، بعد ساعات قليلة من خطوة الأحرار، إلى تأجيل انعقاد مجلسه الوطني إلى 31 يناير، أي بعد إغلاق باب الترشيحات على زعامة الأحرار.
كل طرف يترصد ويراقب «مطبخ» غريمه داخل التحالف الحكومي. وهذا السباق نحو معرفة ما يدور لدى الطرف الآخر يفسر كيف أن الحزبين لا يملكان استقلالية القرار في اختيار المرشحين.
فهل يعني هذا أن «المرشح» لرئاسة الحكومة المقبلة سيُبعث وسط الحزبين، وأن كل طرف يخشى إسقاط «الجوكر» القادم داخل معترك غريمه؟
ومن هو «الجوكر» القادم؟ لا يبدو أن المهدي بنسعيد أو فاطمة الزهراء المنصوري يتوفران على مقومات قيادة الانتخابات و«حكومة المونديال». كما لا يوجد داخل «البام» من هو مؤهل لقيادة الانتخابات والحكومة، خاصة وأن الحزب، وهذا لم يعد سرًا، واجه صعوبات كبيرة في العثور على «بروفايلات» ملائمة للاستوزار وسط الحزب بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة.
عين الأحرار على «البام»، وعين «البام» على «الجوكر» القادم، وكل طرف لا يريد أن يسبقه الآخر إليه.
في المحصلة، نحن بصدد إعادة هيكلة الحقل الحزبي “الفائض” عن الدولة. وربما لم يعد مقبولًا أن يقتسم «حزبا الإدارة» النفوذ والشبكات والقرب من الدولة. فقد أصبح هذا الوضع يُنهك الدولة، ويشتت جهودها، ويدخلها في صراعات داخلية بين مكوناتها، دون أن تستفيد من تغطيتهما السياسية أو من تلقي «الضربات» بدلًا عنها..لا تريد الدولة أن يقتسمها حزبان، جربت ذلك، واتضح أنه مكلف لها، وبدون مردودية.
وقد ظهر ذلك جليًا خلال المسيرات الاحتجاجية التي نزلت من الجبال والهوامش و«مغرب اللّاسرعة»، واحتجاجات جيل Z، وتظاهرات النقابات والتنسيقيات، حيث وجدت الدولة نفسها وحيدة في مواجهة الشارع دون غطاء سياسي. ولولا خطاب الملك، الذي فرض توقيته استحقاقٌ دستوري، لما هدأت ساحات التظاهر التي ملأها شباب جيل Z.
ستظل السياسة غائبة عن اختيار «الجوكر» القادم. وسيُبعث كما استُقدم أخنوش، وسيغادر كما بُعث، دون ضجيج حزبي أو نقاش سياسي.
فمن ستُلعب الأوراق لصالحه؟
تعيش عدد من المؤسسات الصحفية والإعلامية بالمغرب، على وقع احتقان اجتماعي متصاعد. بسبب التأخر في…
وقّعت مؤسستان مغربية و صينية اتفاقًا لتعزيز التعاون الثقافي و العلمي، مع التركيز على إرث…
اختبر المغرب ميدانيًا قدرته على مواجهة حرائق الغابات، عبر تمرين وطني واسع حشد إمكانيات بشرية…
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر المقبل، أعادت نتائج الانتخابات الجزئية التي جرت،…
شهد مجلس النواب، اليوم الأربعاء بالرباط، نقاشًا مطولًا حول حصانة الدفاع ضمن مشروع القانون رقم…
بقلم: جعفر المهدي، محام بهيئة الرباط نقاش يدور اليوم في قبة البرلمان على مستوى لجنة…
This website uses cookies.