بقلم: يوسف المساتي
لم يمت إدغار موران وحده.
شيءٌ آخر انطفأ معه في هذا العالم المتعب.
كأن الإنسانية، وهي تجر أقدامها وسط ضجيج الخوارزميات والحروب والأسواق والشاشات، فقدت أحد آخر الأصوات التي كانت تذكرها بأنها ليست آلة ضخمة لإنتاج الاستهلاك والخوف والكراهية، بل مغامرة هشة، معقدة، شعرية، ومأساوية في الآن نفسه.
برحيل إدغار موران، لا نفقد مفكرا فرنسيا فقط، ولا سوسيولوجيا أو فيلسوفا أو منظر “الفكر المركب” كما تحب الجامعات أن تختصره داخل المفاهيم الباردة.
نحن نفقد شاهدا نادرا على القرن العشرين بكل رعبه وجنونه وأحلامه المنهارة.
رجلا عبر النازية، والمقاومة، والحرب، والشيوعية، وخيبات الحداثة، وسقوط الأيديولوجيات، وصعود التقنية، ثم بقي، رغم كل شيء، مؤمنا بالإنسان. وكم يبدو هذا الإيمان اليوم فعلا شبه انتحاري.
كان موران ينتمي إلى ذلك الجيل الذي رأى أوروبا وهي تتحول إلى مقبرة جماعية، ثم حاول أن يفهم كيف يمكن للحضارة أن تنتج البربرية من داخل عقلانيتها ذاتها.
لم يكن ساذجا.
كان يعرف أن الإنسان ليس كائنا عقلانيا خالصا، بل مزيج مرعب من النور والظلمة، من الشعر والعنف، من الحب والافتراس.
ولهذا ظل يرفض كل تبسيط للعالم.
كان يرى أن الكارثة تبدأ حين يتحول الفكر إلى يقين نهائي، وحين يظن الإنسان أنه امتلك الحقيقة الكاملة.
في زمن التخصصات الضيقة، كان موران أشبه بآخر الرحالة الكبار داخل المعرفة.
يعبر بين البيولوجيا والفلسفة والتاريخ والسياسة والأنثروبولوجيا والأدب، كأنه يرفض أن تقطع الحقيقة إلى جزر معزولة.
كان يقول لنا إن العالم أعقد من أن يفهم بعين واحدة.
لكن العالم الحديث لم يعد يحب التعقيد، العالم يريد أجوبة سريعة، وشعارات قصيرة، وآراء تصلح للمنصات الرقمية، لا للتأمل الطويل. ولهذا يبدو رحيله رمزيا إلى حد موجع.
لقد مات في زمن تختزل فيه الإنسانية داخل “بيانات”، والحياة داخل “محتوى”، والسياسة داخل حملات كراهية، والحقيقة داخل خوارزمية تحدد ما يجب أن نراه وما لا يجب أن نراه. مات بينما البشرية تغرق في وفرة معلوماتية هائلة، لكنها تعاني فقرا مرعبا في الحكمة.
كان موران يدرك مبكرا أن التقدم التقني لا يعني بالضرورة تقدما إنسانيا. وأن الحضارة القادرة على إرسال المركبات إلى المريخ قد تعجز عن حماية طفل من الجوع أو إنسان من العزلة أو شعب من الإبادة.
كان يرى أن الأزمة الحقيقية ليست اقتصادية فقط، ولا سياسية فقط، بل أزمة معنى.
أزمة حضارة فقدت قدرتها على رؤية الإنسان كغاية، لا كأداة.
ولعل ما يجعل موته مؤلما ليس فقط ما كتبه، بل الطريقة التي عاش بها الفكر نفسه. لم يكن فيلسوف برج عاجي. كان إنسانا جريحا من التاريخ. يهرب من الموت في شبابه، ثم يقضي عمره كله محاولا فهم لماذا يقتل البشر بعضهم بعضا باسم الوطن، أو العقيدة، أو العرق، أو التقدم.
كان يعرف أن الإنسان كائن متناقض. ولهذا لم يدافع عن الطهرانية الأخلاقية ولا عن المثاليات الساذجة. بل دافع عن الهشاشة البشرية نفسها. عن حق الإنسان في الخطأ، وفي الشك، وفي التردد، وفي أن يكون معقداً مثل الحياة.
اليوم، ونحن نودعه، يبدو العالم أكثر برودة من أي وقت مضى. المدن أكبر، لكن الوحدة أعمق. التواصل أسرع، لكن الفهم أقل.
المعرفة متاحة بضغطة زر، لكن الحكمة تختفي بهدوء من هذا الكوكب. ربما لهذا يبدو رحيل موران أشبه بانطفاء مكتبة كاملة من الأسئلة الكبرى. أسئلة الإنسان والمعنى والمصير والحضارة. أسئلة لم تعد تجد مكاناً داخل عصر السرعة الرقمية واليقين الأعمى.
لكن المفكرين الحقيقيين لا يموتون بالطريقة العادية. إنهم يتحولون بعد رحيلهم إلى مرايا أخلاقية للعالم. وكلما ازداد عصرنا توحشا، سنعود إليهم لنفهم أين أخطأنا.
سيظل إدغار موران حاضرا، ليس فقط داخل كتبه، بل داخل ذلك القلق النبيل الذي كان يسكنه: كيف يمكن للإنسان أن يبقى إنساناً وسط هذا الخراب المنظم؟
ذلك هو السؤال الذي تركه لنا، وذلك هو الإرث الأثقل من الموت نفسه.
أكد المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، اليوم السبت، أن عيد الأضحى لسنة 1447 مر…
طالبت شبيبة اليسار الديمقراطي الحكومة بالكشف عن لوائح الشركات والجهات التي استفادت من الدعم العمومي…
جددت كوت ديفوار دعمها لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب، باعتبارها أساسا لحل سياسي…
حضرت الثقافة المغربية ضمن فعاليات عيد الأضحى التي ينظمها مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي…
أعلنت منظمة اليونسكو ومؤسسة TUI Care Foundation إطلاق شراكة عالمية جديدة تستهدف تطوير السياحة المستدامة…
أصبحت الروابط التجارية والأبواب الدوارة التي تربط قادة سياسيين سابقين بعالم المال والأعمال تعيد من…
This website uses cookies.