رغم التحذيرات المبكرة والتوصيات التفصيلية التي أصدرها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي منذ سنة 2023 بشأن تدبير مخاطر الكوارث الطبيعية، لا تزال المنظومة الوطنية للوقاية والاستجابة تعاني اختلالات بنيوية، تكشفها كل فيضانات أو هزات أرضية أو موجات جفاف جديدة، اخرها فاجعتي فاس وأسفي.
فبعد أزيد من عامين على صدور رأي المجلس، لم تترجم أغلب توصياته إلى سياسات عمومية ملموسة، ما يطرح تساؤلات حول جدية التعاطي الرسمي مع أحد أخطر التهديدات التي تواجه البلاد.
بحسب معطيات المجلس، تتجاوز الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الكوارث الطبيعية 8 مليارات درهم سنويا، أي ما يقارب 0,8 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي. ومع ذلك، ما تزال المقاربة المعتمدة في الغالب تفاعلية، تتحرك بعد وقوع الكارثة بدل استباقها.
فيضانات متكررة تغمر أحياء سكنية وبنيات تحتية، مناطق قروية تعيش العزلة أياما بسبب انقطاع الطرق، ومزارعون يتكبدون خسائر فادحة مع كل موسم جفاف… مشاهد تتكرر، بينما ظلت التوصيات المتعلقة بتعزيز الوقاية والجاهزية حبيسة التقارير.
ومن أبرز توصيات المجلس الدعوة إلى سن قانون-إطار للكوارث الطبيعية يحدد المفاهيم والمسؤوليات ويؤطر مراحل الوقاية والتدخل وإعادة الإعمار.
غير أن هذا النص التشريعي، الذي اعتبر حجر الزاوية لإصلاح المنظومة، لم يخرج بعد إلى حيز الوجود، ما أبقى تدبير الكوارث خاضعا لتعدد نصوص متفرقة وغير منسجمة.
هذا الفراغ القانوني ينعكس مباشرة على مستوى التنسيق بين القطاعات، ويضعف أدوار الجماعات الترابية التي تبقى في الصفوف الأمامية عند وقوع الكوارث، دون صلاحيات أو موارد كافية.
ورغم التأكيد المتكرر على ضرورة إحداث المرصد الوطني للمخاطر، المكلف بتجميع وتحيين المعطيات وإعداد خرائط دقيقة للمخاطر الطبيعية، لا يزال هذا المشروع مؤجلا.
ونتيجة لذلك، تعتمد العديد من التدخلات على معطيات غير محينة أو تقديرات ظرفية، في غياب قاعدة بيانات وطنية موحدة.
ويجمع فاعلون محليون على أن غياب هذه الأداة يحول دون التخطيط الاستباقي، خصوصا في مجالات التعمير وإعداد التراب، حيث ترخص مشاريع سكنية أو بنى تحتية في مناطق معروفة بهشاشتها.
وأكد المجلس في رأيه أن الجماعات الترابية تشكل حلقة أساسية في تدبير مخاطر الكوارث، غير أن الواقع يكشف محدودية قدراتها التقنية والمالية.
ففي العديد من المناطق، لا تتوفر الجماعات على مخططات خاصة لتدبير المخاطر، ولا على فرق مجهزة أو مكونة للتدخل السريع.
ويرى متتبعون أن ضعف إشراك المنتخبين والفاعلين المحليين في بلورة السياسات الوطنية ساهم في اتساع الفجوة بين التخطيط المركزي والواقع الميداني، خاصة في الوسط القروي والمناطق الجبلية.
واللافت أن معظم الاختلالات التي تظهر اليوم كانت موضوع تشخيص دقيق في تقرير المجلس: ضعف ثقافة الوقاية، هشاشة البنيات التحتية، غياب التنسيق، وتأخر تفعيل الاستراتيجيات الوطنية.
ومع ذلك، لم تتجاوز الاستجابة في كثير من الأحيان حدود التصريحات أو التدخلات الاستعجالية المؤقتة.
ويطرح هذا الوضع تساؤلات حقيقية حول مكانة آراء المؤسسات الدستورية الاستشارية، وحدود التزام الحكومة بتنفيذ توصياتها، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس الأمن الإنساني والاقتصادي للمواطنين.
ومع كل كارثة طبيعية، يعود النقاش ذاته: من المسؤول؟ ولماذا لم يتم الاستعداد مسبقا؟ ولماذا تتكرر الخسائر نفسها؟ أسئلة تجد أجوبتها، جزئيا على الأقل، في تقارير رسمية صدرت منذ سنوات، لكنها لم تجد طريقها إلى التنفيذ.
فهل تنتظر السلطات كارثة أكبر لتفعيل توصيات ظلت جاهزة منذ 2024؟ أم أن تدبير مخاطر الكوارث سيبقى رهين منطق ردّ الفعل، في بلد تؤكد كل المؤشرات أنه بات أكثر عرضة لتقلبات مناخية وطبيعية متزايدة؟

