بقلم: عادل البوعمري
في المشهد السياسي المغربي، ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لشتنبر 2026، تتكرر مشاهد تطلب فيها النخب والرأي العام “بطلا” من خارج المألوف، ليكسر رتابة الخطاب الرسمي ويعيد بعض المصداقية للعمل المؤسساتي. كان عمر بلافريج، النائب البرلماني السابق عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، أحد هذه الأسماء. فخلال فترة غيابه أو مقاطعته للعمل السياسي المؤسساتي، تعالت أصوات كثيرة من داخل اليسار وخارجه تنادي بعودته: “البرلمان خاوي بلا بيك”، “نحتاج نموذج النائب اللي كيحرج الحكومة بالسؤال وبالملف”، “عودتك ضرورة ديمقراطية”. لكن اللحظة التي أعلن فيها بلافريج عن موقفه المبدئي الرابط بين عودته وبين إطلاق سراح ناصر الزفزافي ورفاقه، تحول الخطاب 180 درجة. المفارقة هنا ليست في موقف بلافريج، بل في موقف من استدعوه بالأمس وتراجعوا اليوم.
لم يكن بلافريج مجرد رقم داخل قبة البرلمان خلال الولاية 2016-2021. كان نموذجاً لنائب اعتمد على الأدوات الدستورية: السؤال الكتابي والشفوي، الملتمسات، التدخلات الإعلامية، والتواصل المباشر مع المواطنين. كان يضع ملفات الشغل، التعليم، الصحة، الفساد، وميزانية القصر في الواجهة، ويحاول ربط النقاش البرلماني بالشارع المغربي. هذا النموذج هو ما جعل غيابه يُقرأ كخسارة. فالمشهد البرلماني بدون معارضة حقيقية يتحول إلى مسرح كاريكاتوري للتوافق المسبق. من هنا جاءت المطالبات بعودته، ليس كشخص، بل كوظيفة سياسية مفقودة: وظيفة الإحراج، المساءلة، وكسر الإجماع المصطنع.
جاء التصريح المنسوب إلى بلافريج واضحاً وقاطعاً: “لن أعود إلى العمل السياسي مادام ناصر الزفزافي ورفاقه خلف القضبان، فالحقوق التي أناضل من أجلها اليوم هي نفسها التي اعتُقلوا بسببها”.
هذا التصريح وضع الجميع أمام لحظة حقيقة. فهو لم يرفض العمل السياسي من منطلق يأس أو انسحاب، بل ربطه بمعيار أخلاقي وسياسي. بمعنى آخر: كيف يمكن الحديث عن الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية داخل المؤسسات، بينما هناك من دفعوا ثمن الدفاع عن نفس هذه الحقوق بالسجن؟ الشرط هنا ليس شخصياً ولا انتقامياً. هو شرط منطقي يفضح التناقض بين الخطاب والممارسة. فإذا كان حراك الريف قد طرح أسئلة حول التنمية والعدالة المجالية والكرامة، فاعتقال رموزه يعني أن الإجابة الرسمية كانت أمنية (بوليسية) وليست سياسية. وعودة أي فاعل سياسي دون مساءلة هذا الخيار، هي مشاركة ضمنية في تطبيعه.
هنا تظهر المفارقة. نفس الأصوات التي كانت تشتكي من الغياب، تحولت إلى أصوات منتقدة للحضور المشروط. تحول الخطاب من “عد إلى العمل السياسي بأي شكل” إلى “عد إلى العمل السياسي لكن بدون شروط” . وبرزت حجج “البراغماتية السياسية التائهة” : “واش نقاطعو العملية الانتخابية ونبقاو نتفرجو؟”، “المقاطعة تترك الساحة فارغة”، “السياسة فن الممكن وليس فن المطلق”. هذه الحجج في ظاهرها عقلانية، لكنها في جوهرها تطلب من الفاعل السياسي أن يفصل بين قناعاته وممارسته، وأن يقبل بقواعد اللعبة كما هي، دون مساءلتها.
المشكل ليس في النقاش حول جدوى المقاطعة أو المشاركة، فهذا نقاش مشروع وقديم من داخل اليسار المغربي. وهو ليي موضوع تفاعلنا اليوم. المشكل هو في ازدواجية المعايير: نستدعي الفاعل لأنه “مبدئي”، ثم نطالبه بالتخلي عن مبدئيته حتى نستقبله. يُطلب منه أن يكون “نظيف اليد” و”صادق الكلمة”، لكن حين يترجم هذه الصفات إلى موقف سياسي مكلف، يُوصف بـ”الرومانسي” أو “العدمي”. وكأن الأخلاق مطلوبة في الخطاب فقط، لا في القرار.
وكما هو جلي، فقد تحولت السياسة في أذهان الكثيرين إلى مجرد تدبير للشأن العام، بعيداً عن الصراع حول الاختيارات الكبرى. لذلك، أي ربط بين العمل المؤسساتي وقضية حقوقية كبرى يُعتبر “خروجاً عن الموضوع”، رغم أن الموضوع واحد. وللأسف الشديد، يبدو أن ((اليسار الديمقراطي)) ببلادنا، أصبح يخشى كلفة المواقف الحادة. يريد معارضة “مريحة” ليس لها تبعات ولا تغلق الأبواب ولا تخلق الأعداء. لكن التاريخ يعلمنا أن التغيير الحقيقي لا يأتي إلا حين يدفع أحدهم كلفة كسر الإجماع المزيف.
إن مفارقة بلافريج ليست مفارقته هو، بل مفارقتنا نحن كيسار مغربي. نريد يساراً قوياً وشجاعاً، لكننا نخاف من شجاعته. نريد نواباً يحرجون السلطة، لكننا نغضب حين يحرجوننا نحن بمواقفهم. نريد في تنظيماتنا قادة وقواعد مناضلة، ولكننا نتشنج في كل محطة ينتقدوننا فيها… السؤال الذي وجب علينا جميعا أن نطرحه ويطرحه موقف بلافريج ليس “هل سيعود أم لا؟”، بل سؤال أعمق: هل نحن مستعدون كقوى ديمقراطية أن نتحمل كلفة المواقف المبدئية؟ هل نريد يساراً يدير الأزمة داخل قواعدها، أم يساراً يملك جرأة مساءلة القواعد نفسها؟
ما دام ناصر الزفزافي ورفاقه في السجن، ما دام شباب “جيل ز” في السجن، ما دام معتقلو الرأي في السجن، سيظل سؤال بلافريج معلقاً فوق رؤوس الجميع: أي شرعية للعمل السياسي في غياب العدالة؟ والإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد ملامح اليسار الذي نريد، ومستقبل الفعل السياسي في المغرب ككل.
عبّرت الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم بالمغرب (ANPC)، عن بالغ قلقها واستنكارها الشديد للوضعية التي…
أثار مقتل لحبيب ولد محمد عبد العزيز، أحد أبرز القيادات العسكرية الصاعدة داخل جبهة البوليساريو…
تصدر المغرب قائمة البلدان المستفيدة من تمويلات البنك الإفريقي للتنمية خلال سنة 2025، بعد حصوله…
تستعد مدينة تاونات لاحتضان الدورة 14 من مهرجان العيطة الجبلية، خلال الفترة الممتدة من 12…
استقبل الملك محمد السادس، اليوم الإثنين بالقصر الملكي بالرباط، المتسلقة المغربية نوال صفنضلة. وذلك بعد…
تشهد مراكز الامتحان خلال فترة الباكالوريا حضورا مكثفا للأمهات والآباء أمام المؤسسات التعليمية. حيث يرافقون…
This website uses cookies.