الرئيسي

نجيب أقصبي: المغرب يفقد 62 ألف منصب شغل سنويا والاستثمار في البنية التحتية لا يخلق وظائف دائمة

حاوره: حمزة غطوس

في إطار تقييم الحصيلة الاقتصادية لسنة 2025، أجرت “سفيركم” حوارا مع الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي، استعرض خلاله تطورات وتيرة النمو، ووضعية الشغل والبطالة، واختلالات الميزان التجاري، إلى جانب انعكاسات الظرفية الدولية والسياسات العمومية الاجتماعية والجبائية، حيث قدم أقصبي، من خلال هذا الحوار، قراءة تشخيصية لمؤشرات الاقتصاد الوطني خلال سنة وسمتها تحديات بنيوية وتحولات ظرفية، في سياق داخلي ودولي متقلب.

ماهي أبرز السمات التي طبعت هذه السنة من حيث النمو والاستقرار الاقتصادي؟

يمكن القول إن وتيرة النمو خلال سنة 2025 انطلقت بشكل متواضع، غير أنها شهدت تسارعا خلال المرحلة الأخيرة من السنة.

وبما أن النمو ما يزال، مع الأسف، مرتبطا بشكل وثيق بالموسم الفلاحي وبالتساقطات المطرية، وأن السنة الحالية انطلقت في سياق عام اتسم بالجفاف، فإن التوقعات كانت في حدود 3 إلى 3.5 في المائة، في حين كانت الحكومة تطمح إلى بلوغ 4 في المائة. وقد أظهرت الوضعية العامة لهذه السنة، وبفضل بعض التساقطات المطرية، أن الموسم الفلاحي لم يكن في المستوى المطلوب، غير أنه لا يمكن اعتباره موسما كارثيا كما كان الحال خلال السنة الماضية، وهو ما يمكن اعتباره مؤشرا إيجابيا نسبيا.

ويمكن تناول هذا الجواب من خلال ثلاثة محاور أساسية، يتعلق الأول بالنمو، والثاني بالشغل، والثالث بالميزان التجاري والتجارة الخارجية.

وفيما يخص وتيرة النمو خلال الشطر الثاني من السنة، يمكن القول إنها عرفت تسارعا ملحوظا، بفعل عاملين أساسيين. يرتبط العامل الأول باستثمارات الدولة في البنية التحتية، سواء المرتبطة بتنظيم كأس إفريقيا للأمم أو بالاستعدادات الجارية لاحتضان كأس العالم 2030. إذ يتضح أن الدولة والمؤسسات العمومية رفعت من مستوى الاستثمار، ورغم الإشكالات المرتبطة بهذه الاستثمارات، فإن ارتفاعها ساهم في تعزيز الطلب الداخلي، وهو ما انعكس إيجابا على وتيرة النمو، التي انتقلت من حدود 3 في المائة إلى حوالي 5.5 في المائة.

أما العامل الثاني، فيرتبط بالاستهلاك الداخلي، الذي ساهم بدوره في تسريع وتيرة النمو.

وعموما، يمكن القول إن وتيرة النمو خلال سنة 2025 كانت أفضل مما كان متوقعا، غير أنها تظل بعيدة عن المستوى المطلوب. فإذا كان الهدف هو تحقيق قفزة نوعية في الاقتصاد المغربي خلال أفق يمتد من عشر إلى خمس عشرة سنة من أجل الالتحاق بركب البلدان الناشئة، فإن ذلك يقتضي تسجيل معدلات نمو تتراوح بين 7 و8 في المائة. وبناء عليه، فإن تحقيق نمو بنسبة 5.5 في المائة خلال سنة 2025 يمثل مؤشرا إيجابيا مقارنة بالسنوات السابقة، لكنه يظل دون المستوى المنشود.

أما المحور الثاني، المتعلق بالشغل والبطالة، فيبرز أن التحسن النسبي في وتيرة النمو لم يواكبه تحسن مماثل في سوق الشغل، إذ لا تزال البطالة، مع الأسف، عند مستويات مرتفعة ومقلقة.

وحسب المعطيات الرسمية، يتراوح معدل البطالة ما بين 13 و13.5 في المائة. غير أن خطورة هذا الرقم تكمن في كونه معدلا عاما، في حين تصل البطالة في صفوف النساء إلى حوالي 20 في المائة، وترتفع لدى الشباب إلى ما يقارب 36 في المائة، وهي نسب مقلقة.

وتكمن الإشكالية البنيوية للاقتصاد المغربي، والتي نعرفها منذ سنوات وما زالت قائمة في سنة 2025، في عجزه عن خلق مناصب شغل كافية، من حيث الكم والكيف، لاستيعاب مئات الآلاف من الشباب الذين يلجون سنويا إلى سوق الشغل دون توفر فرص حقيقية. ومع الأسف، فقد أصبحت وتيرة فقدان مناصب الشغل خلال السنوات الأخيرة أسرع من وتيرة خلقها. ورغم عدم توفر معطيات دقيقة لسنة 2025، فإن أرقام الفترة الممتدة ما بين 2020 و2024 تشير إلى أن الاقتصاد المغربي فقد أكثر من 300 ألف منصب شغل، بمعدل سنوي يناهز 62 ألف منصب.

وتبقى هذه الأرقام مقلقة، خاصة وأن الرفع من مستوى الاستثمار خلال سنة 2025، ورغم مساهمته في تسريع الطلب الداخلي والرفع من المستوى الكمي للنمو، لم ينعكس على خلق فرص الشغل، بحكم أن الاستثمارات المرتبطة بالبنيات التحتية تبقى محدودة الأثر زمنيا ولا توفر مناصب شغل دائمة. كما لا يمكن اعتبار البرامج الحكومية، ناجحة، لأن معيار التقييم يظل هو النتائج. فلو كانت هذه البرامج تحقق أثرا ملموسا على أرض الواقع، لما استمرت هذه الأرقام المقلقة، ولما ظل معدل البطالة مرتفعا، ولما كان الاقتصاد المغربي يخسر سنويا عشرات الآلاف من مناصب الشغل بدل خلق ما يقارب 200 ألف منصب سنويا.

أما المحور الثالث، المرتبط بالعلاقة مع الخارج، فيؤكد أن الاقتصاد المغربي اقتصاد منفتح، ما يجعل علاقته بالتجارة الخارجية ذات أهمية بالغة. وعلى هذا المستوى، يظل عجز الميزان التجاري من أبرز الإشكالات المطروحة. وفي ظل غياب معطيات سنة 2025، فإن أرقام سنة 2024 تظل مقلقة، ومن المرجح أن لا تكون نتائج سنة 2025 أفضل بكثير. فقد تجاوز عجز الميزان التجاري سنة 2024 سقف 300 مليار درهم، أي ما يقارب 20 في المائة من الناتج الداخلي الخام، كما أن الصادرات لا تتجاوز 60 في المائة من قيمة الواردات.

إلى أي حد نجحت أو فشلت السياسات الحكومية خلال 2025 في التخفيف من آثار الظرفية الاقتصادية الدولية على الاقتصاد الوطني؟

لتوضيح أثر الظرفية الدولية، لا بد من التمييز بين جانبين أساسيين: الأول يتعلق بالعلاقات التجارية من حيث الواردات والصادرات، والثاني يرتبط بالسياسات الحمائية، وإشكاليات التموين، والمديونية، والعلاقة مع المؤسسات الدولية.

وبعيدا عن أي أحكام قيمية، فإن العنصر الحاسم في هذا السياق يظل هو العلاقات التجارية. فعندما يتفاقم العجز في الميزان التجاري، فإن ذلك يدل على أن السياسات الحكومية، إن وُجدت، لم تتمكن من تغيير هذا الواقع أو التخفيف من حدته. ورغم الحديث عن تحسن بعض الصادرات، خاصة المرتبطة بالمنتجات الفلاحية وصناعة السيارات، فإن النتيجة النهائية تؤكد استمرار العجز التجاري.

كما تبرز أهمية تطور الأسعار الدولية للمواد الغذائية والمواد النفطية، بحكم تبعية المغرب لهذه الأسواق. ويمكن القول إن الظرفية الدولية خلال هذه السنة كانت إيجابية نسبيا، إذ عرفت الأسعار الدولية تراجعا، حيث انخفض سعر النفط من حوالي 80 دولارا إلى نحو 60 دولارا للبرميل، وهو ما ساهم في تقليص الفاتورة النفطية.

غير أنه، ورغم هذا التراجع، لم ينعكس الأثر الإيجابي على مستوى العجز التجاري، إذ لم يتم تحسين نسبة تغطية الواردات بالصادرات. فالمغرب كان يستورد ما يقارب 100 مليار درهم من المواد النفطية، وانخفاض أسعار المواد الغذائية ساهم هو الآخر في تقليص فاتورة الواردات، غير أن هذا التحسن يظل غير مرتبط بسياسات حكومية، بل بظروف خارجية. ورغم ذلك، ظل العجز قائما، ما يعكس محدودية قدرة السياسات الحكومية على استثمار هذه الظرفية الإيجابية.

إلى أي حد ساهمت الإصلاحات الاقتصادية المعلنة أو المفعلة خلال 2025 في دعم القطاعات المنتجة وتقليص الفوارق المجالية؟

يمكن الاستدلال في هذا الإطار بمثالين أساسيين، يتعلق الأول بالتغطية الصحية، فيما يهم الثاني السياسة الجبائية.

في ما يخص التغطية الصحية، كان الخطاب الحكومي يؤكد استكمال تعميمها على جميع المواطنين خلال سنة 2022، على أن يلي ذلك تفعيل الدعم الاجتماعي المباشر، ثم إصلاح أنظمة التقاعد سنة 2024، وإصلاح نظام التعويض عن فقدان الشغل… غير أنه، ونحن على مشارف نهاية سنة 2025، فإن الإنجاز الوحيد الذي يمكن الحديث عنه يظل هو التغطية الصحية، التي لم تكتمل في الآجال المعلنة. كما تشير الأرقام الرسمية إلى أن ما لا يقل عن 8.5 ملايين مغربي لا يستفيدون من التغطية الصحية.

لكن الإشكال الحقيقي، كما هو معلوم، لا يرتبط فقط بالتسجيل في نظام التغطية، بل بقدرة المواطن الفعلية على الولوج إلى الخدمات الصحية، من خلال أداء ما يقارب 350 درهما مقابل الفحص الطبي، ثم استرجاع جزء محدود من التعريفة المرجعية التي لا تتجاوز 150 درهما، فضلا عن الصعوبة المادية لاقتناء الأدوية وانتظار ما يقارب شهرين لاسترجاع جزء من ثمنها.

ويظهر أن عددا كبيرا من المغاربة المصنفين ضمن المستفيدين من التغطية الصحية لا يتوفرون على الإمكانيات الواقعية للاستفادة منها، ما يجعل هذه التغطية، إلى حد بعيد، تغطية شكلية بالنظر إلى الاختلالات القائمة في نظامها.

وبخصوص التقاعد، لم تلتزم الحكومة بالآجال المعلنة، فيما ظل التعويض عن فقدان الشغل حبرا على ورق. أما الدعم الاجتماعي المباشر، فيطرح بدوره إشكالات كبيرة، خاصة على مستوى “المؤشر” المعتمد، في ظل غياب الشفافية وصعوبة فهم المعايير المعتمدة، وهو ما أدى إلى حالة من الارتباك في هذا المجال.

وبصفة عامة، فإن السياسات العمومية في حد ذاتها إيجابية من حيث المبدأ، ولا أحد يعارض تعميم التغطية الصحية أو إقرار الدعم المباشر، غير أن ضعف التنزيل وسوء الممارسة حول هذه السياسات أدى إلى نتائج عكسية، إذ بدل أن تسهم في تحسين الأوضاع الاجتماعية، ساهمت في تأجيج الاحتقان الاجتماعي.

أما في ما يتعلق بالسياسة الجبائية، فيمكن وصف الوضع بـ “الكارثي بكل المقاييس”. فالإصلاح الجبائي الذي تم الترويج له خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2025 يمثل، في الواقع، إصلاحا مضادا. إذ تظهر مراجعة قوانين المالية خلال هذه الفترة أن التخفيض شمل العبء الجبائي المفروض على الشركات الكبرى وأصحاب الأرباح والمداخيل المرتفعة، سواء تعلق الأمر بالضريبة على الشركات أو الضريبة على القيمة المضافة أو الضريبة على الدخل، مقابل تحميل المقاولات الصغرى والمتوسطة أعباء إضافية.

كما أن عددا من الخدمات والمواد التي كانت تخضع لنسب 7 في المائة أو 14 في المائة من الضريبة على القيمة المضافة، أصبحت خاضعة لنسبة 20 في المائة، بما في ذلك بعض المواد الأساسية، وهو ما يؤكد أن ما تم تسويقه كإصلاح جبائي لم يكن سوى آلية لتعميق الحيف الضريبي وتوسيع الفوارق الاجتماعية.

Shortened URL
https://safircom.com/bcdz
سفيركم

Recent Posts

شد وجذب بين “وعود” أخنوش و”غضب” النقابات بسبب الغلاء

انطلقت بالرباط جولة جديدة من الحوار الاجتماعي بالمغرب لدورة أبريل 2026، وسط أجواء مطبوعة بالتباين…

11 دقيقة ago

بلمسة مغربية.. Gims وILYAH يطلقان “Labubu” في تعاون موسيقي عالمي

أطلق النجم العالمي Gims أحدث أعماله الموسيقية بعنوان "Labubu"، والذي جمعه بالفنان الأمريكي ذو الأصول…

ساعة واحدة ago

الموت يفجع الكوميدي يسار في والدته بعد صراع مع المرض

فُجع الفنان الكوميدي المغربي، يسار لمغاري، اليوم السبت، بوفاة والدته بعد صراع مرير مع المرض.…

ساعتين ago

مجلس “اعمارة” ينتقد مشروع قانون العدول

انتقد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الذي يترأسه عبد القادر اعمارة، غياب دراسة الأثر، للقانون رقم…

ساعتين ago

أخنوش يُبرز حصيلته: أكثر من 4.25 ملايين استفادوا من تحسين الدخل

كشف رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، أن عدد المستفيدين من إجراءات تحسين الدخل في إطار الحوار…

3 ساعات ago

ارتفاع الدرهم مقابل الدولار.. بنك المغرب يكشف تطورات السوق المالية

شهد سعر صرف الدرهم تحركات ملحوظة خلال الأسبوع الثاني من أبريل، حيث سجل ارتفاعاً أمام…

3 ساعات ago

This website uses cookies.