طالبت هيئات نقابية ومهنية تمثل الصحافيين والناشرين رئيس الحكومة بالتدخل العاجل لسحب مشروع قانون 26.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة من مجلس المستشارين، بعد أن تمت المصادقة عليه في مجلس النواب وسط رفض واسع من مختلف المكونات النقابية والحقوقية والسياسية.
وأكدت هذه الهيئات حسب رسالة توصلت جريدة “سفيركم” الالكترونية بنسخة منها، مفادها رسالة مفتوحة إلى رئيس الحكومة، أن إحالة المشروع على لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بمجلس المستشارين يوم الاثنين 8 شتنبر 2025، شكل خطوة مثيرة للاستغراب، خاصة في ظل غياب حوار فعلي مع المهنيين وممثليهم، معتبرة أن ذلك “إصرار حكومي على تمرير نص تشريعي دون توافق، وضدا على إرادة الجسم الصحافي والإعلامي”.
وحسب الرسالة، شددت النقابات على أن مطلب إصلاح المجلس الوطني للصحافة يبقى مشتركا بين مختلف الأطراف، غير أن الإصلاح حسب تعبيرها لا يمكن أن يحقق أهدافه إلا إذا تم في إطار تشاركي يضمن التوافق والشرعية المهنية.
وأبرزت أن المشروع في صيغته الحالية سيبقى بلا أثر ولا قبول، وسيضعف صورة الحكومة ومصداقيتها أمام الرأي العام الوطني والدولي.
وسجلت الرسالة مجموعة من الملاحظات على المشروع، من بينها مخالفته لأحكام الدستور ولا سيما الفصول 25 و27 و28، وغياب النشر الاستباقي لمضامينه على موقع الأمانة العامة للحكومة، علاوة على اعتماد معايير رقم المعاملات وعدد المستخدمين في التمثيلية داخل المجلس، بما يمنح المؤسسات الكبرى هيمنة شبه مطلقة ويقصي المقاولات الإعلامية الصغرى والمتوسطة.
وفي المقابل، انتقدت النقابات تبني نظام الاقتراع الفردي المفتوح لانتخاب ممثلي الصحافيين، معتبرة أنه “تراجع عن تجربة 2018 التي كرست تمثيلية متوازنة عبر اللوائح النقابية”، فضلا عن تكريس ما وصفته بـ”المقاربة الضبطية” التي تضعف استقلالية الصحافة، ومنح سلطات واسعة لعدد محدود من الناشرين الكبار.
وفي هذا الصدد، اختتمت الهيئات النقابية والمهنية رسالتها بدعوة رئيس الحكومة إلى التدخل العاجل لوقف تمرير المشروع في مجلس المستشارين، وإعادته إلى طاولة الحوار الاجتماعي القطاعي قصد التفاوض حول صيغة توافقية، انسجاما مع روح الدستور ومقتضيات المادة 78 التي تراعي الطابع الاقتصادي والاجتماعي والمهني لهذا النص التشريعي.
وفي حديث السياق، قال محمد الوافي، رئيس الجامعة الوطنية للصحافة والإعلام والاتصال التابعة للاتحاد المغربي للشغل، في تصريح خص به موقع “سفيركم” الالكتروني إن الحكومة واصلت تمرير مشروع قانون 26.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، رغم الرفض الواسع من طرف الهيئات النقابية والمهنية.
وأفاد الوافي، قائلا:” أن الحكومة عَوَّدتنا على التعنت والوقوف في وجه المنطق والأغلبية المجتمعية، متسلحة بأغلبيتها البرلمانية”، مذكرا بأنها اتبعت الأسلوب نفسه عند تمرير القانون التنظيمي للإضراب.
وأوضح الوافي أن الحكومة أغلقت آذانها أمام أصوات المجتمع والخبراء ورجال القانون، وحتى أمام الوزراء الخمسة السابقين الذين عارضوا المشروع، مضيفا أن معارضة الجامعة الوطنية للصحافة والإعلام والاتصال وحلفائها النقابيين والمهنيين لم تثن الحكومة عن المضي قدما في مسطرتها التشريعية، رغم إحالة المشروع على المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الوطني لحقوق الإنسان بطلب من فرق المعارضة.
وبخصوص عملية التشاور، أكد الوافي أن اللجنة المؤقتة استقبلت الجامعة في ماي 2024 بطلب من مكتبها الوطني، حيث تمت مناقشة إشكالات القطاع وتجربة المجلس الوطني خلال أربع سنوات ونصف، كما تم تقديم مذكرة مكتوبة تتضمن مقترحات لتعديل قوانين الصحافة والنشر وقانون الصحافي المهني.
وأضاف الوافي، انه تم الاتفاق على معاودة اللقاء بعد استكمال اللجنة مشاوراتها، غير أنها صمتت نهائيا ولم تعد إلى فتح الحوار، وهو السلوك نفسه الذي واجهته باقي الهيئات المهنية وعددها سبعة.
وشدد الوافي على أن المشروع الحالي يعرف عدة اختلالات ونواقص خطيرة، أبرزها إلغاء تمثيلية المجتمع المدني ومنظماته، وهو ما اعتبره فقدانا للتوازن الأساسي داخل المجلس، علاوة على تغليب تمثيلية الناشرين برفع عددهم إلى تسعة مقابل تقليص عدد الصحافيين إلى سبعة فقط.
واعتبر الوافي أن أخطر ما جاء به النص “منح المجلس صلاحيات فرض غرامات قد تصل إلى خمسين مليون سنتيم، بما يهدد بإغلاق منابر إعلامية هشة، فضلا عن إمكانية تعليق بطاقة الصحافة للمهنيين لمدة تصل إلى ثلاث سنوات”، مبرزا أن هذه الصلاحيات تهدد استقلالية المجلس وتعيد القطاع سنوات إلى الوراء.
وفي ما يتعلق بالانتقادات الموجهة لنمط التمثيلية، أكد الوافي أن الحكومة اعتمدت في تمثيلية الناشرين على حجم المقاولات ورقم معاملاتها، بما يمنح المقاولات الكبرى أصواتا مضاعفة على حساب المقاولات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل أكثر من 90% من النسيج المقاولاتي في القطاع.
وأبرز الوافي أن هذا التوجه يناقض السياسات الحكومية في قطاعات أخرى، حيث يتم تشجيع المقاولات الصغرى، بينما في قطاع الإعلام يتم إقصاؤها لصالح المقاولات الكبرى في الرباط والدار البيضاء فقط.
وأشار الوافي إلى أن أي مجلس يسيطر عليه أرباب المقاولات الكبرى والمؤسسات الرسمية، مع تمثيلية ضعيفة للصحافيين، لن يتمكن من مواجهة التحديات المهنية والتكنولوجية، ولن يكون رافعة لدمقرطة القطاع أو تعزيز أخلاقيات المهنة، مضيفا أن ذلك سيقوض شرعية المجلس ومصداقيته لدى المهنيين والجمهور معا.
وعن خطوات الجامعة الوطنية للصحافة والإعلام والاتصال لمواجهة هذا الوضع، أكد الوافي بأن المكتب الوطني عقد اجتماعا فور التوصل بالمشروع، أصدر بعده بلاغا للرأي العام، وانخرط في جبهة وطنية واسعة لمناهضته.
وشدد المتحدث ذاته على أن الجامعة ترافع عبر وسائل الإعلام، وفي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، كما وضعت الملف على طاولة قيادة الاتحاد المغربي للشغل وممثليه في المؤسسات المنتخبة، مضيفا أن الجامعة سطرت برنامجا نضاليا مشتركا مع النقابات والهيئات المهنية والمدنية والحقوقية للتصدي لهذا المشروع التراجعي.

