قالت الأخصائية والمعالجة النفسية فردوس الدحيمن في تصريح خص به موقع “سفيركم” الالكتروني إن بلوغ عدد المصابين بالاضطرابات النفسية على مستوى العالم نحو مليار إنسان “لم يأت من فراغ، بل هو انعكاس مباشر لتشابك أزمات ومعطيات العصر”، مؤكدة أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية باتت تثقل النفس البشرية بضغوط متراكمة.
وأوضحت الدحيمن أن الضغوط الاقتصادية، من بطالة وغلاء معيشة وانعدام الأمان الوظيفي، تشكل أرضية خصبة للقلق المستمر، مشيرة إلى أن استمرار هذه الضغوط يحول القلق مع مرور الوقت إلى اضطرابات مزمنة مثل الاكتئاب.
وأضافت الدحيمن أن الحروب والنزاعات المسلحة لا تخلف فقط خسائر بشرية ودمارا عمرانيا، بل تترك ندوبا نفسية عميقة لدى ملايين النازحين واللاجئين، حيث يتحول اضطراب ما بعد الصدمة إلى جزء من ملامح حياتهم اليومية.
وشددت المتحدثة ذاتها، على خطورة التغير المناخي، معتبرة أن النزوح البيئي والكوارث الطبيعية يضاعفان من الأعباء النفسية على المجتمعات الهشة.
وفي ما يتعلق بالتكنولوجيا الرقمية، لفتت الأخصائية إلى أنها “رغم تقريبها للمسافات، إلا أنها عمقت العزلة الاجتماعية”، مشيرة إلى أن الإفراط في استخدام الشاشات والإدمان على الألعاب أو مواقع التواصل أصبح من أبرز شكاوى الجيل الجديد.
وأكدت الدحيمن أن جائحة كورونا مثلت نقطة تحول مفصلية، إذ فجرت أزمة صامتة وأدت إلى ارتفاع غير مسبوق في معدلات القلق والاكتئاب بسبب الخوف من العدوى وفقدان الأحبة والضغوط الاقتصادية، فضلا عن تفشي العزلة الاجتماعية وزيادة السلوكيات الإدمانية.
وشددت الدحيمن على أن الجائحة لم تحدث الاضطرابات النفسية فحسب، بل كشفت أيضا عن هشاشة الأنظمة الصحية العالمية، ما يؤكد أن “الصحة النفسية ليست قضية ثانوية بل أساس لصمود المجتمعات أمام الأزمات”.
و أبرزت الأخصائية أن الوعي بالصحة النفسية لا يزال محدودا مقارنة بالصحة الجسدية، حيث ما زال كثيرون يتعاملون مع الاضطرابات النفسية كوصمة اجتماعية، في حين يظل اهتمام المؤسسات بها شكليا، سواء في بيئات العمل أو في المدارس.
وذكرت الدحيمن أن منظمة الصحة العالمية أوصت بضرورة دمج خدمات الصحة النفسية في الرعاية الصحية الأولية، وإعداد برامج مدرسية داعمة تساعد الأطفال على التعبير عن مشاعرهم وتعلم مهارات التكيف، علاوة على توفير بيئات عمل تراعي التوازن بين المتطلبات المهنية والصحة النفسية للموظفين.
وأفادت الدحيمن أن الدول النامية تواجه معركة مزدوجة بسبب ضعف التمويل ونقص الأطر المتخصصة، فضلا عن الوصم الاجتماعي والثقافي المرتبط بالمرض النفسي، مشيرة إلى أن ميزانيات الصحة النفسية في كثير من البلدان لا تتجاوز واحدا في المئة من ميزانية الصحة العامة.
وختمت في تصريحها لـ “سفيركم” بالتأكيد على أن “مستقبل الصحة النفسية في الدول النامية لن يبنى فقط بالميزانيات، بل يحتاج إلى تغيير ثقافة المجتمع وبناء وعي جماعي يجعل من النفس الإنسانية أولوية”، مبرزة أن الاضطرابات النفسية تبدأ من أبسط المراحل في حياة الطفل، مثل لحظة الانفصال عن المدرسة، والتي قد تتحول إلى رهاب مدرسي إذا لم تواكب ببرامج دعم نفسي داخل المؤسسات التعليمية.
