جسركم إلى الخبر

على امتداد عقد كامل، استطاع المغربي يوسف “جوزيف” مندور أن يبني حول نفسه هالة لامعة: رجل أعمال يحمل لقب “محارب أمريكي قديم”، يقود شركات مرتبطة بالبنتاغون، ويفتح فروعاً نشطة في المغرب، ويُطلق وعوداً بخلق صناعة دفاع محلية.

لكنّ توالي الانكشافات منذ 2024، ثم انفجار الملف في 2025، أسقطا الأقنعة عن واحدة من أكثر شبكات الاحتيال تعقيداً في سوق العقود الفدرالية الأمريكية، شبكة امتدت جذورها من فرجينيا إلى طنجة، ومن مكاتب حكومية أمريكية إلى مكاتب وزارية مغربية.

بطلٌ مصنوع على الورق

في المغرب، ظهر يوسف مندور كشخصية واثقة، يرتدي بدلة رسمية ويتحدث بلغة ممزوجة بين الإنجليزية والعربية، مقدّماً نفسه كجندي سابق خدم في العراق، وأصيب في ساحات القتال، قبل أن ينطلق في مسار أعماله داخل قطاع الدفاع.

ظهوره في لقاءات رسمية، وصوره مع وزراء وشخصيات سياسية ورجال أعمال، جعلت منه شخصية “معتبرة” في أعين كثيرين.

أما في الولايات المتحدة، فقد بنى الصورة ذاتها: رجل قدّم لوطنه الكثير، ويستحق امتيازات الشركات الصغيرة المملوكة للمحاربين القدامى.

لكنّ النيابة العامة الأمريكية كشفت الحقيقة: الرجل لم يكن قط جندياً، ولا محارباً، ولا جريح حرب. فما الذي كان عليه إذن؟

موظف مدني لدى الحرس الوطني في فرجينيا (2003-2007)، ثم مستشار مدني في العراق لصالح وزارة الخارجية (2007-2008). لا سلاح، لا قتال، ولا خدمة عسكرية. الصورة كلّها كانت ملفّقة.

 الاحتيال على النظام الفدرالي

اعتمد مندور على ادعاء صفة “محارب قديم” ليحصل على شهادات رسمية تمنحها الحكومة الأمريكية للشركات التي يمتلكها محاربون سابقون (VOSB) أو معاقو حرب (SDVOSB).

هذه الشهادات تمنح أصحابها امتيازات ضخمة في نظام الصفقات الحكومية. بفضل هذه الصفة المزيّفة، حصلت شركاته على:

أكثر من 441 عقداً لشركة Talon Veteran Services

عشرات العقود لشركة Sanford Federal

237 عقداً لشركة I-2-I Solutions

أكثر من 100 عقد لـ FAR Government

عقود إضافية لـ Safro Corp

ثم لاحقاً لشركات تحمل أسماء جديدة مثل Ladgov وViakorp

القيمة الإجمالية لهذه العقود تُقدّر بمئات ملايين الدولارات. غير أن التحقيقات أظهرت أن جزءاً كبيراً من هذه العقود رُبح عبر معلومات كاذبة، أو تم إسناده إلى مقاولين ثانويين لم يحصلوا لاحقاً على مستحقاتهم.

شبكة شركات بلا جدران

تكشف سجلات الشركات الأمريكية نمطاً ثابتاً: عشرات الشركات بواجهات مختلفة، لكنها تتبع دائماً الشخص نفسه: يوسف مندور.

في بعض الحالات، سُجّلت شركات بأسماء زوجته السابقة للاستفادة من امتيازات الشركات “المملوكة للنساء”، ثم تغيّر المالك بعد الطلاق.

وفي حالات أخرى، استخدمت شركات مسجلة في المغرب كواجهات عمليات، خصوصاً في طنجة. لكن موظفون سابقون تحدّثوا عن: فوضى إدارية ممنهجة، حسابات مالية فارغة رغم العقود الكبيرة، تعثر في دفع الأجور، تغييرات مستمرة في الهيكل الإداري، تسريحات جماعية تزيد عن 400 موظف.

أحدهم وصف الوضع قائلاً:”كل شيء مصمم بحيث لا تستطيع الإمساك بشخص واحد مسؤول عن أي شيء”.

 مصنع العروض في طنجة

خلال السنوات الأخيرة، أصبح المغرب جزءاً محورياً في شبكة مندور. ففي مدينة طنجة، كانت تعمل وحدة تحمل اسم Sanford Federal Africa عبر عشرات الموظفين الذين يعملون في: إعداد عروض التعاقد، تدبير العمليات، الترجمة، المالية، التنسيق الإداري، متابعة العقود.

شهود أمريكيون أكدوا لـ Jeune Afrique أن هذه الوحدة المغربية كانت بمثابة “مصنع للعروض”، تنتج عشرات الملفات يومياً، بينما التنفيذ الفعلي كان يجري عبر شركات صغيرة في ولايات أمريكية مختلفة.

في المقابل، رفض جميع الموظفين المغاربة الذين تم التواصل معهم الإدلاء بأي تصريح، “لأسباب تتعلق بالحيطة”.

داخل هذه الشبكة العملاقة، كان هناك محارب واحد حقيقي: الأمريكي ديفيد نيلسون فينش، الذي أصيب أثناء خدمته العسكرية.

وجود هذا الرجل أعطى مصداقية كبيرة لشركات مندور، قبل أن يغادر فجأة. وعندما سُئل عن سبب مغادرته، قال بوضوح: “تركت Sanford قبل عامين. وأتمنى أن يدفعوا ديونهم”. ثم حذف لاحقاً توصية كان قد نشرها يُشيد فيها بيوسف مندور.

الضحايا يتقدّمون… والـFBI يدخل على الخط

مع تسارع التحقيقات الفدرالية، توسّع نطاق الملف ليشمل ما قد يكون أكبر شبكة من المتضررين: شركات صغيرة دخلت في عقود من الباطن مع شركات مندور، لكنها لم تحصل على مستحقاتها.

مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) – فرع ريتشموند – أصدر بلاغاً رسمياً يطلب فيه التعرف على الضحايا المحتملين، مؤكداً أن مندور استهدف منذ سنة 2019 مقاولين حكوميين من فئة الشركات الصغيرة.

نداء FBI للتعرف على ضحايا يوسف مندور

البلاغ تضمّن دعوة واضحة:

– لكل شركة أو شخص لديه معلومات بملء نموذج مخصص لتوثيق الضرر.

– تشجيع كل من يعرف ضحية محتملة على الإبلاغ.

– تأكيد التزام الـFBI بالتواصل مع الضحايا المحتملين.

– ضمان سرية المعلومات وهوياتهم

هذا النوع من البلاغات نادر نسبياً، ولا يصدر إلا في الملفات التي يُشتبه بأن عدد المتضررين فيها كبير ومتوزع عبر عدة ولايات.

 ماذا عن المغرب

وجود يوسف مندور في المغرب خلال السنوات الأخيرة ليس تفصيلاً هامشياً. صور منتقاة مع وزراء، أحاديث عن مصانع دفاعية، ووعود بإطلاق مشاريع ضخمة، وانخراط في عصبة الهواة لكرة القدم… كل ذلك منح الرجل وجاهة وتأثيراً كانا مفتاحاً للتوسع في شبكته الدولية.

لكن السؤال الذي يطرحه المحققون هو: هل كان المغرب مجرد محطة عمل إداري؟ أم منصة لعمليات تعاقدية على نطاق واسع؟ وهل كان لمسؤولين أو وسطاء محليين دور – أو على الأقل علم – بما كان يجري؟ حتى الآن، لا توجد أي مؤشرات على تحقيقات مغربية في الموضوع.

رغم أن شركة Sanford Federal وافقت على دفع 3.1 ملايين دولار لتسوية جانب من الاتهامات، فإن الملف أبعد ما يكون عن الإغلاق.

التحقيقات الفدرالية مستمرة، وشركاته لا تزال تعمل تحت أسماء جديدة، والشهود يزدادون. كما أن دخول الـFBI على خط تحديد الضحايا يعني أن القضية مرشحة للتوسع.

النتيجة أن ما سُمّي لسنوات بـ“قصة نجاح أمريكية-مغربية” قد يتحوّل إلى واحدة من أكبر قضايا الاحتيال في قطاع العقود الفدرالية خلال العقد الأخير.

تُظهر الوقائع أن يوسف “جوزيف” مندور لم يخدع مؤسسات أمريكية فقط، بل نجح أيضاً في بناء صورة مؤثرة داخل المغرب، مستفيداً من غياب التحقق ومن بيئة تنظيمية تسمح بتسويق المشاريع “الحالمة”.

ومع اتساع التحقيقات الأمريكية، وبدء جمع شهادات الضحايا المحتملين، تبقى الأسئلة الكبرى معلّقة:

هل سيصل التحقيق إلى الامتدادات الدولية للشبكة؟ هل سيُكشف دور المنصات المغربية التي احتضنت نشاطات مندور؟ وهل ستتخذ السلطات المغربية خطوات بعد انكشاف حجم الملف؟

الأكيد أن القصة لم تنته. وما سيسفر عنه التحقيق الفيدرالي قد يفتح أبواب فصل جديد… أكثر حساسية وأوسع نطاقا.

* اعتماداً على jeune afrique،، lanouvelletribune

شاركها.

التعليقات مغلقة.