ناقش باحثون وخبراء من نحو ثلاثين دولة، الاثنين بفاس، التحولات التي تعرفها الحدود في العالم المعاصر. في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتغير مسارات الهجرة، وعودة المقاربات الأمنية إلى واجهة السياسات الدولية.
ونظمت هذه الندوة الدولية حول الدراسات الحدودية بمبادرة من مختبر الدراسات القانونية والسياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس. بشراكة مع مؤسسات جامعية كندية وفرنسية وأمريكية، تحت شعار يربط بين الحدود والجدران والأمن.
نقاش بفاس حول الحدود في العالم المعاصر
وركز المشاركون في اللقاء على ما وصف بعودة الحدود إلى مركز النقاش السياسي والاجتماعي. وذلك بعد عقود بدا فيها أن العولمة الرقمية والاقتصادية تدفع نحو تراجع أهمية الحدود الترابية.
وأوضح إدريس اليزمي، رئيس مجلس الجالية المغربية بالخارج، أن موضوع الحدود أصبح يحظى برؤية أوضح داخل النقاش العمومي والأكاديمي. مشيرا إلى أن الاتصال الرقمي وتكثيف المبادلات الاقتصادية خلقا تصورا يوحي بتلاشي الحدود.
وأضاف اليزمي أن هذا التصور اصطدم بواقع التنقلات البشرية، سواء تلك التي يتم تشجيعها أو تلك التي تتم محاربتها. مبرزا أن محاولات العبور غير النظامي ما تزال تتم في ظروف صعبة.
وشدد المتحدث على أن استمرار هذه المحاولات يعطي الانطباع بوجود ضعف في قدرة الدول على ضبط حركية التنقل. خاصة في سياق يتزايد فيه توظيف ملف الهجرة في الخطابات السياسية ذات الطابع الديماغوجي.
الهجرة والحقوق في صلب النقاش
ودعا اليزمي إلى إنتاج بحوث أكاديمية دقيقة حول قضايا الهجرة والحدود. بعيدا عن التوظيف السياسي المبسط لهذا الملف.
واعتبر أن الحدود ليست مجرد خطوط فاصلة، بل مؤسسة قانونية تضمن حماية الحقوق وممارسة المواطنة. مع ضرورة الحفاظ على الحقوق الأساسية للأشخاص الموجودين في وضعية تنقل.
من جانبه، ربط مصطفى إجاعلي، رئيس جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، تنظيم هذه الندوة بسياق دولي يتسم بعودة النزعات القومية. وتفاقم التوترات الجيوسياسية. وتنامي التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية.
وأكد إجاعلي أن الحدود باتت تستعيد حضورا واضحا في الحياة السياسية والاجتماعية. داعيا إلى تجاوز النظر إليها باعتبارها مجرد خطوط تقسيم، والتعامل معها كفضاءات صاغها التاريخ والتجربة الإنسانية.
مقاربات جديدة لفهم التحولات الحدودية
وأشار رئيس الجامعة إلى أن الندوة تسعى إلى مساءلة التحولات المعاصرة للفضاءات الحدودية. وما تطرحه من آثار سياسية واجتماعية وإنسانية.
وأضاف أن اللقاء يعتمد مقاربة متعددة التخصصات، تجمع خبراء وباحثين ومختصين في قضايا الهجرة والجيوستراتيجية، بهدف اقتراح أطر جديدة لفهم الظواهر المرتبطة بالحدود.
وفي السياق ذاته، أبرز محمد بوزلفة، عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس، أهمية البحث العابر للتخصصات في فهم هذه التحولات.
وأوضح بوزلفة أن الحدود، سواء كانت مادية أو رمزية، تساهم في تشكيل المجتمعات والاقتصادات والعلاقات الدولية، معتبرا أن حضور حوالي مائة مشارك من تخصصات مختلفة يتيح تجاوز الأطر التحليلية التقليدية.
حضور مقاربات بلدان الجنوب
أكد عميد الكلية أن تنوع المشاركين يسمح ببناء رؤية أكثر شمولا للظواهر الحدودية، عبر إدماج وجهات نظر صادرة عن بلدان الجنوب.
وأضاف أن هذا التوجه يعكس رغبة في بلورة مقاربات قادرة على التعامل مع قضايا السيادة والتحولات المرتبطة بالمجالات الحدودية، بدل الاكتفاء بقراءات جاهزة أو أحادية.
وتتواصل أشغال هذه الندوة الدولية إلى غاية 21 ماي الجاري، من خلال جلسات علمية تتناول سياسات تفويض ضبط الحدود، وتأمين المجالات الترابية، وتأثير البنيات التحتية الحدودية على ديناميات الهجرة.


