على خلفية الجدل الواسع الذي أثاره مقطع فيديو يوثق إجبار طفل على تناول مادة يشتبه في كونها مسكرة. أكد محمد ألمو، المحامي بهيئة الرباط، أن القضية تطرح، قبل أي شيء آخر، مسألة المسؤولية القانونية للأشخاص الذين تقع على عاتقهم مهمة حماية الطفل ورعايته. معتبرا أن التشريع المغربي لا ينظر إلى مثل هذه الأفعال باعتبارها مجرد تصرفات طائشة، بل باعتبارها سلوكات قد تشكل إخلالا جسيما بواجبات الرعاية والتوجيه المفروضة قانونا.
وأوضح ألمو، في تصريح لـ”سفيركم”، أن الفصل 482 من القانون الجنائي المغربي يتعامل بوضوح مع الأفعال التي تصدر عن أحد الأبوين أو أي شخص يتولى سلطة أو إشرافا على الطفل. متى ترتب عنها ضرر بدني أو معنوي نتيجة سوء المعاملة أو الإهمال أو إعطاء القدوة السيئة أو التقصير في الرعاية والتوجيه. مشيرا إلى أن المشرع منح حماية خاصة للقاصرين بالنظر إلى هشاشتهم وعدم قدرتهم على تقدير المخاطر أو حماية أنفسهم من السلوكات الضارة.
توفير بيئة آمنة
وأضاف أن جوهر الحماية القانونية للأطفال لا يقتصر على منع الاعتداءات المباشرة فحسب. بل يشمل أيضا إلزام المحيطين بهم بتوفير بيئة آمنة تحفظ صحتهم الجسدية والنفسية وتصون كرامتهم. معتبرا أن أي سلوك يدفع طفلا إلى استهلاك مادة مضرة أو يشجعه على ذلك يطرح تساؤلات جدية حول مدى احترام واجبات الرعاية والحماية المفروضة على الراشدين.
وأكد المحامي بهيئة الرباط أن الأفعال الظاهرة في الفيديو المتداول يمكن أن تندرج ضمن خانة سوء المعاملة وتعريض قاصر للخطر إذا أثبتت الأبحاث أن الطفل تعرض للإكراه أو التحريض على استهلاك مادة مسكرة أو مضرة بالصحة. موضحا أن الأمر لا يتعلق فقط بالفعل المادي في حد ذاته. وإنما أيضا بالآثار التي قد تترتب عنه على المستوى النفسي والتربوي. خاصة عندما يكون الطفل طرفا ضعيفا لا يملك القدرة على إدراك طبيعة ما يفرض عليه.
خطورة الواقعة
وأشار ألمو إلى أن تحديد الوصف الجنائي النهائي للوقائع يظل من اختصاص النيابة العامة والسلطات القضائية المختصة. وذلك بناء على نتائج البحث القضائي والخبرات الطبية والاستماع إلى مختلف الأطراف. غير أن خطورة الواقعة تظل قائمة من حيث المبدأ بالنظر إلى ما تنطوي عليه من مساس محتمل بسلامة طفل وحقوقه الأساسية.
وفي سياق متصل، لفت المتحدث إلى أن التشريع الجنائي المغربي يعكس توجها صارما تجاه الأفعال المرتبطة بالمواد الضارة، مذكرا بمقتضيات الفصل 398 من القانون الجنائي الذي يعاقب الاعتداء على حياة الأشخاص بواسطة مواد يمكن أن تسبب الوفاة عاجلا أو آجلا. معتبرا أن استحضار هذا المقتضى القانوني يبرز مدى حساسية المشرع تجاه كل السلوكات التي تنطوي على تعريض الأشخاص، وخاصة القاصرين، لمواد قد تلحق ضررا بصحتهم أو سلامتهم.
حماية الحياة الخاصة
ولم يقف ألمو عند حدود الفعل المرتبط بإجبار الطفل على تناول المادة المشتبه في كونها مسكرة. بل أثار أيضا مسألة تصوير الواقعة ونشرها على نطاق واسع عبر المنصات الرقمية. معتبرا أن هذا الجانب قد يفتح بدوره نقاشا قانونيا حول حماية الحياة الخاصة للقاصرين وصون كرامتهم. وأوضح أن تحويل طفل إلى موضوع لمحتوى رقمي متداول قد يفاقم من حجم الأذى النفسي والاجتماعي الذي يتعرض له. خصوصا عندما تنتشر المشاهد على نطاق واسع وتظل متاحة للتداول وإعادة النشر لفترات طويلة.
مصدر ضرر للضحية
وأضاف أن استمرار تداول الفيديو في الفضاء الرقمي يمكن أن يتحول إلى مصدر ضرر دائم بالنسبة للضحية. نظرا لما قد يخلفه من آثار اجتماعية ونفسية تمتد إلى المستقبل. مشيرا إلى أن ذلك يتعارض مع ما يعرف قانونيا بـ”الحق في النسيان”، والذي يهدف إلى حماية الأفراد. وخاصة الأطفال، من استمرار الأضرار الناتجة عن المحتويات الرقمية المرتبطة بهم.
وشدد ألمو على أن مثل هذه الوقائع تستوجب تدخلا قانونيا وتربويا حازما، ليس فقط لترتيب المسؤوليات ومحاسبة المتورطين عند الاقتضاء. بل أيضا لترسيخ ثقافة مجتمعية تقوم على حماية الأطفال واحترام حقوقهم وعدم استغلالهم أو تعريضهم للخطر تحت أي مبرر. سواء تعلق الأمر بالمزاح أو البحث عن الإثارة أو صناعة المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي.








