أفاد مكتب التحليلات الدولية “فيفا كابيتال” في دراسة حديثة أن الإغلاق العسكري لمضيق هرمز منذ الثامن والعشرين من فبراير لعام 2026 وضع “عقيدة الأمن الطاقي” للمملكة أمام حقيقة بنيوية قاسية. مشيرا إلى أن الصدمة الحالية لا ترتبط فقط بارتفاع الأسعار كما حدث عام 2022. بل هي “صدمة تدفقات” شلت الممر البحري بنسبة تسعين بالمائة. وأن هذا التطور كشف غياب “مصدات التكرير الوطنية” وأكد أن رهان الاعتماد الكامل على استيراد المواد المكررة من الخارج قد سلب الاقتصاد المغربي مرونته. مما جعل السيادة الطاقية والصناعية للبلاد رهينة مباشرة لأي توتر عسكري في الممرات الدولية.
ووفقاً للدراسة التي تم نشرها في يونيو 2026. فإن استمرار إغلاق المضيق لما يزيد عن مائة وأربعة أيام بات يهدد أربع سلاسل اقتصادية حيوية متداخلة في آن واحد. وهي قطاع الطاقة، ومنظومة إنتاج الفوسفاط التابعة لمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، والأمن الغذائي الوطني. بالإضافة إلى القدرة الشرائية المباشرة للمواطن المغربي.
صدمة التدفقات
وعلى العكس تماما من الصدمة النفطية التي شهدها العالم في عام 2022، والتي كانت مجرد صدمة أسعار مع الحفاظ على وفرة الإمدادات في الأسواق. فإن أزمة عام 2026 تصنف كصدمة تدفقات وأسعار متزامنة في الوقت نفسه. وتسببت هذه الأزمة غير المسبوقة في انهيار حركة المرور البحرية عبر مضيق هرمز بنسبة تصل إلى تسعين بالمائة. وبناء على النماذج الاقتصادية الدقيقة التي طورها مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد. يواجه المغرب تداعيات هيكلية ثقيلة تتجلى في فقدان متوقع لنسبة واحد فاصلة ستة بالمائة من ناتجه الداخلي الخام. وهو ما يعادل ماليا خسارة تقارب واحد وعشرين مليارا وستمائة مليون درهم. كما تمتد هذه الصدمة لتضرب سوق الشغل، حيث باتت خمسة فاصلة اثنين بالمائة من القوة العاملة مهددة. وهو ما يترجم إلى خطر فقدان خمسمائة وثمانية وتسعين ألف منصب شغل مباشر.
كما أظهرت هذه المعطيات هشاشة موقف المغرب مقارنة بدول إقليمية أخرى مثل مصر، التي تمتلك قدرات تكرير ذاتية تحميها جزئيا من تقلبات الأسواق العالمية للمواد المكررة.
ولم يستغرق ارتداد الصدمة الجيوسياسية من منطقة الشرق الأوسط إلى الأسواق المغربية سوى أقل من خمسة أسابيع. حيث انعكست بشكل كامل ومباشر على سلة المعيشة والقفة اليومية للمواطن. حيث أكدت الدراسة أن غياب مصدات تكرير وطنية جعل المستهلك المغربي في مواجهة مباشرة مع تقلبات أسعار المواد المكررة الدولية. وقد تجسد ذلك في الارتفاعات القياسية المسجلة في أسعار المواد الأساسية خلال شهري مارس وأبريل من عام 2026. حيث قفز سعر الغازوال في محطات الوقود بنسبة خمسة وثلاثين بالمائة، مرتفعا من أحد عشر درهما ونصف لليتر الواحد قبل الأزمة ليصل إلى خمسة عشر درهما ونصف.
أسعار الطاقة والمواد الغذائية
وفي السياق ذاته، ارتفع سعر قنينة غاز البوتان من الحجم الكبير رسميا إلى خمسين درهما بعد أن كانت بأربعين درهما. وسط توقعات مبرمجة للوصول إلى سبعين درهما بحلول نهاية العام الجاري في إطار التفعيل التدريجي لإصلاح صندوق المقاصة.
كما لم تتوقف الموجة عند حدود الطاقة، بل امتدت وفق الدراسة، لتشمل المواد الغذائية. حيث سجل الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك الصادر عن مندوبية التخطيط زيادة شهرية بنسبة واحد فاصلة اثنين بالمائة. مدفوعا بقفزة حادة في أسعار الخضر بلغت تسعة فاصلة سبعة بالمائة. حيث كشفت المندوبية في هذا الصدد عن تفاوت جهوي مقلق. حيث سجلت المناطق مثل كلميم والحسيمة نسب تضخم بلغت زائد اثنين فاصلة سبعة بالمائة مقارنة بزائد واحد بالمائة فقط في الدار البيضاء. وهو ما يعكس التبعية المطلقة للنقل البري طويل المسافة المستهلك للغازوال.
مصفات لاسامير
وقد أعادت هذه الأزمة الخانقة ملف مصفاة “لاسامير” بمدينة المحمدية إلى الواجهة. فمنذ توقف هذه المنشأة الحيوية عن العمل في الخامس من غشت لعام 2015، بات المغرب يستورد مائة بالمائة من حاجياته من المواد البترولية المكررة من الخارج. كما قدر التقرير الاستراتيجي لمكتب “فيفا كابيتال” حجم خسائر هوامش التكرير الضائعة التي تم ضخها خارج التراب الوطني بين عامي 2015 و2025 بما يتراوح بين اثنين وأربعين وسبعين مليار درهم مجمعة.
وفي ظل الأزمة الحالية، تضطر ميزانية الدولة لامتصاص الصدمة ماليا. حيث تضخ الحكومة نحو ستمائة مليون درهم شهريا لدعم غاز البوتان فقط لضمان استقرار ثمنه الحالي في الأسواق. كما يأتي هذا النزيف المالي الحاد في وقت حرج يشهد تعثرا واضحا في مسار التصفية القضائية للمصفاة. إذ رفضت المحكمة التجارية بالدار البيضاء في السابع والعشرين من فبراير لعام 2026 عرض الاستحواذ الإماراتي المقدم من شركة “إم جيه إم إنفيستمنتس” بقيمة ثلاثة مليارات ونصف المليار دولار لعدم جاهزيته القانونية. في حين دخل النزاع القضائي الدولي أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار بين المغرب ومجموعة “كورال بتروليوم” مرحلة المرافعات الشفهية الحاسمة منذ فبراير الماضي.
كما لم تسلم القلعة الصناعية للمملكة من تداعيات هذه الهزة البحرية. حيث أثر إغلاق مضيق هرمز بشكل مباشر على سلاسل إمداد المكتب الشريف للفوسفاط من المواد البتروكيماوية الأساسية، ولا سيما الكبريت والأمونياك. وهذا الوضع الاضطراري دفع المكتب إلى تقديم جزء من برنامج الصيانة الخاص ببعض منشآته. مما أدى إلى تراجع متوقع في الإنتاج بنسبة تصل إلى ثلاثين بالمائة خلال الربع الثاني من سنة 2026.
احتياجات الكبريت
وعلى الرغم من نجاح المكتب الشريف للفوسفاط في تنويع مصادره جغرافيا نحو كازاخستان، التي باتت تؤمن واحدا وخمسين بالمائة من احتياجاته من الكبريت، إلا أن هذا المسار البديل يظل، وفق الدراسة، محفوفا بالمخاطر والتقلبات بسبب اعتماده على الموانئ الروسية الخاضعة لإعفاءات ترانزيت مؤقتة ومستهدفة بضربات طائرات مسيرة، أو خاضعة لقرارات سياسية محتملة من موسكو ينتهي مفعولها في الثلاثين من يونيو لعام 2026. ولمواجهة هذه التحديات، أطلق المكتب خطة مرونة صناعية متكاملة تتناغم مع العقيدة الاستراتيجية الجديدة لمخزون إمدادات الفوسفاط. وتمثلت أولى خطواتها في إصدار سندات هجينة بقيمة مليار ونصف المليار دولار في منتصف أبريل الماضي لتمويل مشاريع بديلة. مثل استخراج الكبريت محليا من معدن البيريت والبيروتيت بالشراكة مع شركة “مناجم”، والتحول نحو منتج السماد الفوسفاطي الثلاثي الأقل استهلاكا للمواد المستوردة.
وفي هذا السياق فإن المقاربة الرسمية الحالية المعلنة في الرابع من ماي لسنة 2026 تعتمد على الرفع من قدرات التخزين بواحد فاصلة خمسة مليون متر مكعب بحلول عام 2030. مع استغلال خزانات لاسامير الحالية التي تبلغ سعتها ثمانمائة ألف متر مكعب. ولكن دون إعادة تشغيل عملية التكرير نفسها. إلا أن الدراسة، أكدت أن هذا النطاق المعتمد لم يعد كافيا لضمان السيادة الوطنية في ظل الجيوسياسية الجديدة للممرات البحرية. كما يقترح بناء على ذلك ستة قرارات استراتيجية حاسمة لا تقبل التأجيل على طاولة الولاية التشريعية القادمة.
يتمثل القرار الأول في حسم ملف “لاسامير” بشكل نهائي عبر اتخاذ قرار واضح بشأن مستقبل التكرير الوطني في أفق نهاية عام 2027. وذلك عبر تفعيل مخطط تفاوضي رباعي السنوات يمر عبر مراحل التأطير والتعاقد ثم النشر الفعلي. ويأتي الالتزام بالمخزون القانوني كقرار ثان يفرض الوصول الفعلي إلى ستين يوما من المخزون الاستراتيجي للمواد المكررة. في وقت تقف فيه النسب الحالية عند سبعة وأربعين يوما فقط للغازوال وثمانية وثلاثين يوما للبوتان.
الأمونياك الأخضر
أما القرار الثالث فيركز على تأمين مشروع الأمونياك الأخضر من خلال تسريع مشروع “هيدروجيل” لإنتاج مليون طن سنويا بحلول عام 2027 لتعويض الأمونياك الأحفوري المستورد بالكامل.
ويتعلق القرار الرابع بمواصلة استكمال إصلاح صندوق المقاصة من خلال الرفع التدريجي للدعم عن مادة البوتان. وينص القرار الخامس على ضرورة إصلاح أسواق الجملة للخضر والفواكه عبر تحديث ظهير السابع من فبراير لعام 1962. لقطع الطريق أمام المضاربات والوسطاء الذين يتسببون في مضاعفة الأسعار من المنتج إلى المستهلك بنحو ثلاث مرات.
ويدعو القرار السادس إلى اعتماد عقيدة “مخزون إمدادات الفوسفاط” لمأسسة مخزون استراتيجي وطني خاص بالمدخلات الصناعية للفوسفاط كالكبريت. وهي عقيدة استباقية غير مسبوقة عالميا خارج قطاع المحروقات التقليدي.

