بقلم: محمد حفيظ

مرت أربعة أيام على نهاية مشوار المنتخب الوطني في نهائيات كأس العالم، وعاد اللاعبون وأفراد الطاقم الفني إلى أرض الوطن، في انتظار أن يستأنف كل منهم رحلته نحو وجهته الخاصة. ولعل هذه الأيام كانت كافية لتهدأ الخواطر، وتستعيد النفوس أنفاسها، ويخفت صخب النقاش الذي ملأ المقاهي والبيوت ووسائل التواصل. وهو ما يسمح بأن نتفاعل مع ما حدث بهدوء وتعقل، بعيدا عن الانفعال الذي يرافق لحظة الخروج.

لقد توقفت رحلة المنتخب الوطني في هذا المونديال عند ربع النهائي، بعدما بلغ في المونديال السابق الدور نصف النهائي. وبهذا التوقف، يكون المنتخب قد تراجع مقارنة بإنجازه في النسخة السابقة، إذ غادر قائمة الأربعة الكبار، واكتفى هذه المرة بمكان ضمن مجموعة الثمانية.

ومع ذلك، فإن بلوغ الدور ربع النهائي، الذي تأهلت إليه ثمانية منتخبات من أصل 48 منتخبا انطلقت بها البطولة، يعد إنجازا لا يمكن إنكاره أو التقليل من شأنه.

وفي النهاية، فهذه هي طبيعة الرياضة، بل هذه هي كرة القدم؛ فكم من منتخب مصنف ضمن المنتخبات التاريخية وَدَّع المنافسة من دور المجموعات، بل إن هناك منتخبات سبق أن فازت بكأس العالم ولم تتأهل أصلا إلى هذه النهائيات.

ليست المشكلة في الدور الذي توقف عنده المنتخب الوطني ولم يستطع تجاوزه، فقد كان من الممكن ألا يبلغ ربع النهائي أصلا، كما كان من الممكن أن يتجاوزه لو شاء القدر أن يواجه منتخبا آخر غير المنتخب الفرنسي.

لكن المشكلة الحقيقية تكمن في السردية التي جرى تأليفها بعيدا عن الواقع، والترويج لها على نحو مبالغ فيه، خاصة منذ المونديال السابق، باستعمال مختلف الوسائل الرياضية وغير الرياضية، حتى تحولت لدى البعض إلى وسيلة لتحقيق مكاسب خارج ميدان الرياضة.

وهذه السردية هي التي كانت وراء تضخيم التوقعات ورفع سقفها لدى الجماهير، سواء لدى المهووسين بكرة القدم، أو لدى غيرهم ممن انجرفوا مع موجة الحماس العام الذي تشعله هذه الرياضة الشعبية.

وفي نهاية المطاف، يبقى الأمر مجرد منافسة رياضية لا تنتهي إلا ببطل واحد يحمل الكأس. فمن بين 48 منتخبا شاركت في نهائيات كأس العالم، لن يفرح بالكأس في المباراة النهائية سوى منتخب واحد، بينما تنال المنتخبات السبعة والأربعون الأخرى شرف المشاركة، إضافة إلى المكافآت المالية التي تخصصها “الفيفا” بحسب المشاركة، والدور الذي بلغه كل منتخب، وترتيبه النهائي.

هذا هو المونديال؛ افتُتِح بفرح المنتخبات الثمانية والأربعين المشاركة، وبفرح شعوب بلدانها ومشجعيها، وسيُختتم بفرح منتخب واحد، وبفرح شعب بلده ومشجعيه.

وكما نقول بالدارجة: “الكرة هي هادي”. لا بد من منتصر، ولا بد من منهزم، وما علينا إلا أن نتقبل النتيجة بروح رياضية.

غير أن الروح الرياضية ليست حكرا على الملاعب، بل يجب أن تمتد إلى مختلف الميادين التي لا تخلو من التنافس والصراع. ومن هذا المنطلق، فإن الذين ظلوا يشنفون أسماعنا بأننا الأقوى، وأننا لا ننتظر إلا الانتصار، بل الفوز بالكأس، والذين منحوا لأنفسهم، أو مُنِحت لهم، صلاحيات مطلقة ليفعلوا ما يشاؤون ويطلقوا أيديهم كما يشاؤون، مطالبون اليوم بالعودة إلى الواقع.

إن كرة القدم، بقدر ما هي لعبة جميلة وممتعة ومثيرة للمشاعر الوطنية، وبقدر ما أصبحت ذات ثقل اقتصادي وتجاري ودبلوماسي، فإنها ليست كل شيء، وليست فوق كل شيء.

وإذا كانت الأيام التي مضت منذ مباراة الخروج من المونديال كفيلة بأن تُنسي الناس المستوى المتواضع الذي ظهر به المنتخب الوطني أمام المنتخب الفرنسي، فإنها لا ينبغي أن تُنسينا ما يجب ألا يُنسى.

على المتحكمين في الشأن الكروي، الذين يتزعمون ما أسميه “تيار التَّكْوِيرِيِّين” (وأقصد بهم أولئك الذين يسعون إلى “تكوير” كل شيء، وجعل مختلف القضايا تدور حول كرة القدم)، أن يكفوا عن جعل كرة القدم كل شيء، وعن وضعها فوق كل شيء، وعن تحويلها إلى معيار تُقاس به الوطنية ويُحكم به على من يستحقها. وعليهم أيضا أن يتوقفوا عن محاولة تقديم نموذج تدبير الكرة باعتباره النموذج الأنجع لتدبير الشأن العام، وكأن ما يُنْظَر إليه على أنه نجاح في الكرة يصلح لأن يُستنسَخ في كل المجالات!

لقد بالغ “التكويريون” في تضخيم شأن كرة القدم، بل تجاوزوا حدود المبالغة. كما بالغوا في حجم الإنفاق عليها، قياسا إلى أوضاعنا المالية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية، حتى أصبح الإنفاق على كرة القدم “بْلا حْسَابْ”؛ يجري خارج منطق الأولويات، وفي غياب آليات الترشيد والرقابة والمحاسبة.

وهذا المستوى من الإنفاق، وبهذا الحجم، لا نجده في كثير من الدول التي تشارك منتخباتها في هذا المونديال، ولا في دول بلغت ربع النهائي أو تجاوزته وقد تبلغ مراحل متقدمة من البطولة، ولا حتى في دول تتقدم علينا بمسافات بعيدة في القوة الاقتصادية ومستويات التنمية.

ولا ينبغي أن تغيب عن انتباهنا تلك المقارنات التي راجت، خلال أيام المونديال، بين بلدنا والبلدان التي واجهنا منتخباتها. فلم تقتصر المقارنات على تصنيف الفيفا لمنتخبنا والمنتخب الذي سنواجهه، بل امتدت إلى مقارنة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، من خلال عدد السكان، وحجم الاقتصاد، والدخل الفردي، والصحة، والتعليم، والشغل، والتنمية البشرية، وغيرها من المؤشرات. وأشير هنا، على سبيل المثال، إلى الفارق الكبير في هذه المؤشرات بين المغرب، من جهة، وهولندا وكندا، من جهة أخرى، واللتين تفوقنا عليهما داخل المستطيل الأخضر.

هناك من يستغرب إجراء هذا النوع من المقارنات، بدعوى أنه لا يجوز الخلط بين الصحة والتعليم والشغل، من جهة، والرياضة، من جهة أخرى، أو بدعوى أن مثل هذه المقارنات لا تجلب سوى “التنكيد” على المواطنين، وتحرمهم من الفرح الذي تمنحه لهم كرة القدم، وتنسيهم بعضا من مشاكلهم، ولو مؤقتا.

غير أن هذه الدعوة إلى عدم الخلط لا تُستدعى إلا عندما تكشف المقارنة حجم الفجوة بيننا وبين بعض “خصومنا” الرياضيين. أما حين تُستغل الرياضة لأغراض غير رياضية، وحين تختلط بالرياضة اعتبارات المال والأعمال والنفوذ والسياسة، فلا يعود الحديث عن الفصل بين المجالات مطروحا، ولا يُخشى حينها من “التنكيد” على المواطنين في معيشهم اليومي.

نعم، يتعلق الأمر بمجالات مختلفة، لكن اختلافها لا يمنع من أن تكون الرياضة مناسبة لاستحضار أوضاعنا في مجالات أخرى تمس الحياة اليومية للمواطنين، وهي مجالات لا تعرف مباراة افتتاح ولا مباراة اختتام. ومن حق المواطنين أن يأملوا في أن يكون بلدهم ضمن الثمانية الكبار، لا في كرة القدم فحسب، بل أيضا في الاقتصاد، والصحة، والتعليم، والشغل، والحرية، والكرامة، والعدالة.

إن مثل هذه المقارنات تكشف حجم الخصاص الذي لا تزال تعاني منه هذه القطاعات، وهي قطاعات تمثل الأولوية الحقيقية في حياة الناس. ويزداد هذا الشعور حين يُقارَن ذلك بحجم الإنفاق الموجه إلى كرة القدم، بما يفرضه من تساؤلات حول ترتيب الأولويات، وحسن توجيه الموارد، ومدى مراعاة حقوق المواطنين وحاجاتهم الأساسية.

وحين نستحضر هذه المجالات، فليس القصد حرمان المواطنين من حقهم في الفرح الذي تمنحه كرة القدم، وإنما التنبيه إلى ألا تتحول الكرة إلى “لعبة نسيان” – إذا استعرنا عنوان رواية محمد برادة – تنسيهم حقوقا أخرى أحق بالاهتمام؛ حقوقا تمس حياة الإنسان وكرامته، وهي التي ينبغي أن تبقى، في نهاية المطاف، فوق كل شيء.

 

 

شاركها.
اترك تعليقاً