تكشف البنية العمرية للهيئة الناخبة بالمغرب عن معطى ديمغرافي مرشح لأن يكون أحد أبرز المحددات المؤثرة في الانتخابات التشريعية المقبلة. ليس فقط على مستوى نسب المشاركة. وإنما أيضا في طبيعة الخطاب السياسي والبرامج الانتخابية التي ستتبناها الأحزاب.
وتعكس الأرقام الرسمية الخاصة باللوائح الانتخابية تحولا في التركيبة العمرية للناخبين. بما يجعل بعض الفئات أكثر تأثيرا في توجيه نتائج الاقتراع وصياغة الأولويات السياسية.
وبحسب المعطيات الرسمية، بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية 15 مليونا و801 ألفا و162 ناخبا، غير أن توزيعهم حسب الفئات العمرية يكشف اختلالا لافتا. إذ لا تتجاوز نسبة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة حوالي 3 %. بينما تمثل فئة 60 سنة فما فوق وحدها نحو 30 % من مجموع الهيئة الناخبة. تليها الفئة العمرية بين 45 و54 سنة بنسبة 22 %. ثم 35 و44 سنة بنسبة 21 %. وهي أرقام تطرح تساؤلات حول تأثير هذا الواقع الديمغرافي على مستقبل التنافس الحزبي والتمثيلية السياسية بالمغرب.
هيمنة الكتلة الناخبة الأكبر تعيد رسم أولويات الأحزاب
وفي قراءة لهذه المؤشرات، يرى الدكتور بدر بوخلوف، أستاذ القانون العام بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس والرئيس المؤسس للشبكة الدولية للباحثين، أن هذه المعطيات الديمغرافية لا تعكس مجرد توزيع عددي للناخبين حسب الفئات العمرية. بل تكشف عن تحولات بنيوية تؤثر بصورة مباشرة في هندسة التنافس الانتخابي وصياغة الخيارات السياسية للأحزاب.
وأوضح بوخلوف في تصريح لموقع “سفيركم” أن هيمنة الفئات العمرية المتقدمة على الهيئة الناخبة تجعل البرامج الانتخابية، وفق منطق “تعظيم العائد الانتخابي”. أكثر ميلا إلى التركيز على القضايا التي تستأثر باهتمام هذه الفئات، من قبيل الحماية الاجتماعية، والتقاعد، والرعاية الصحية، وتحسين الخدمات العمومية المرتبطة بجودة الحياة.
وفي المقابل، أوضح المتحدث أن القضايا التي تشكل أولوية بالنسبة للشباب، قد تتراجع وعلى رأسها التشغيل، والتعليم، والتكوين، وريادة الأعمال، والولوج إلى السكن. وهو ما قد يؤدي إلى اختلال في تمثيل المصالح المجتمعية داخل الأجندة العمومية، ويؤثر في مبدأ الإنصاف بين الأجيال في صناعة السياسات العمومية.
وأضاف الأستاذ الجامعي أن محدودية تمثيلية الفئة العمرية الممتدة بين 18 و24 سنة تثير، من منظور قانوني ومؤسساتي، تساؤلات جوهرية حول مدى نجاعة المنظومة الوطنية في تأطير المشاركة السياسية للشباب. معتبرا أن ضعف حضور هذه الفئة داخل اللوائح الانتخابية. لا يمكن اختزاله في سلوك انتخابي ظرفي. بل يعكس تراكم عوامل بنيوية. من بينها محدودية الثقة في المؤسسات المنتخبة. وضعف الإحساس بفعالية التصويت في إحداث التغيير. فضلا عن قصور آليات التنشئة السياسية والتأطير الحزبي والمدني في استقطاب الأجيال الجديدة.
وسجل الرئيس المؤسس للشبكة الدولية للباحثين، أن هذا الوضع يطرح أيضا علامات استفهام بشأن قدرة الأحزاب السياسية على تجديد نخبها وخطابهوآليات تواصلها. بما ينسجم مع التحولات الاجتماعية والرقمية التي تشكل البيئة الطبيعية للشباب اليوم. مؤكدا أن استمرار هذا الخلل قد ينعكس على مستوى التمثيلية السياسية وعلى علاقة الأجيال الجديدة بالفعل الحزبي والمؤسساتي.
المشاركة الشبابية شرط لترسيخ الديمقراطية التمثيلية
وأكد بوخلوف أن تعزيز المشاركة السياسية للشباب لم يعد مجرد هدف انتخابي يرتبط برفع نسب التسجيل أو التصويت. بل أصبح مدخلا استراتيجيا لترسيخ الديمقراطية التمثيلية وضمان استدامتها. فكلما اتسعت قاعدة المشاركة العمرية داخل الهيئة الناخبة. ازدادت قدرة المؤسسات المنتخبة على التعبير عن مختلف مكونات المجتمع. وتعززت شرعيتها التمثيلية. بما ينعكس إيجابا على جودة السياسات العمومية ومشروعيتها.
وختم المحلل السياسي تصريحه بالتأكيد على أن المرحلة تقتضي بلورة مقاربة عمومية مندمجة تجمع بين الإصلاح القانوني، والتأطير الحزبي، والتربية على المواطنة. والاستثمار في الثقافة الديمقراطية، مع توظيف الوسائط الرقمية وآليات التواصل الحديثة لتقريب الشباب من الفعل السياسي. معتبرا أن التحدي الحقيقي لم يعد يقتصر على ضمان مشاركة الشباب في العملية الانتخابية، بل يمتد إلى جعلهم فاعلين مؤثرين في صناعة القرار العمومي. وشركاء في رسم السياسات العمومية وتوجيه مسارات التنمية، بما يحقق التوازن بين مختلف الفئات العمرية ويعزز جودة البناء الديمقراطي بالمغرب.


