خصَّ الملك محمد السادس القطاع المالي والبنكي بجزء مهم من خطاب العرش بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لاعتلائه العرش، واضعًا المؤسسات المالية أمام مسؤولية محورية في تمويل المرحلة الجديدة من التنمية، التي وصفها بأنها تتطلب “موارد تمويلية غير مسبوقة”، مع التأكيد على أن الجزء الأكبر منها يجب أن يُعبأ من داخل الاقتصاد الوطني.
ويُعد هذا التوجه من أبرز الرسائل الاقتصادية التي حملها الخطاب، إذ دعا الملك إلى إعادة تموقع القطاع المالي باعتباره شريكًا استراتيجيًا في تمويل النمو، وليس مجرد وسيط في منح القروض.
التمويل الداخلي بدل الاعتماد على الخارج
أكد الملك أن مسار التحول الاقتصادي والاجتماعي الذي يشهده المغرب يستوجب تعبئة موارد مالية ضخمة، مشددًا على أن الرهان الأساسي ينبغي أن يكون على التمويل الداخلي.
وتعكس هذه الرسالة توجهاً نحو تعزيز قدرة الاقتصاد المغربي على تمويل استثماراته اعتمادًا على موارده الذاتية، من خلال تعبئة المدخرات الوطنية وتوجيهها نحو المشاريع المنتجة، بما يقلص الحاجة إلى التمويلات الخارجية ويعزز الاستقلالية المالية للمملكة.
تكليف واضح للقطاع البنكي
وفي رسالة مباشرة إلى الأبناك والمؤسسات المالية، دعا الملك القطاع المالي الوطني إلى مواصلة مواكبة الاستثمار والمشاريع الكبرى، بما يضمن استمرار الدينامية الاقتصادية التي تعرفها المملكة.
غير أن الخطاب لم يقتصر على المشاريع الكبرى، بل طالب أيضًا بإحداث “نقلة نوعية” في تسهيل الولوج إلى التمويل، سواء البنكي أو غير البنكي، لفائدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، التي تعتبر العمود الفقري للنسيج الاقتصادي الوطني.
ويحمل هذا المقتضى دعوة ضمنية إلى مراجعة آليات التمويل الحالية، وتطوير منتجات مالية أكثر مرونة، تمكن هذه الفئة من المقاولات من الوصول إلى السيولة والاستثمار بشروط أفضل.
الأولوية للابتكار والصناعة والتصدير
وربط الخطاب الملكي التمويل بالأولويات الاقتصادية للمملكة، داعيًا إلى توجيه الموارد المالية نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، وعلى رأسها الابتكار، والتصنيع، والتصدير.
ويعني ذلك أن المرحلة المقبلة لن تقاس فقط بحجم التمويلات الممنوحة، وإنما أيضًا بقدرتها على دعم التحول الصناعي، وتشجيع الاقتصاد المنتج، ورفع تنافسية المقاولات المغربية في الأسواق الدولية.
تعبئة الادخار الوطني
ومن بين أبرز الرسائل التي حملها الخطاب، دعوة الملك إلى تعبئة الادخار الوطني، خصوصًا الادخار المؤسساتي، باعتباره أحد أهم مصادر تمويل الاستثمار.
ويشمل ذلك تعبئة موارد صناديق التقاعد، وشركات التأمين، وصناديق الاستثمار، وغيرها من المؤسسات المالية، بما يسمح بتوجيه جزء أكبر من هذه الموارد نحو تمويل المشاريع التنموية والاستثمارات الاستراتيجية.
إنعاش الأسواق المالية
كما دعا الملك إلى فتح آفاق أكثر ابتكارًا داخل القطاع المالي، مع العمل على إنعاش الأسواق المالية، حتى تصبح سوق الرساميل مكملاً أساسيًا للقطاع البنكي في تمويل الاقتصاد.
ويفتح هذا التوجيه الباب أمام تطوير أدوات تمويل جديدة، وتنشيط سوق السندات، وتعزيز دور بورصة الدار البيضاء في تعبئة الرساميل لفائدة المقاولات والمشاريع الكبرى.
رسالة تحمل ملامح سياسة مالية جديدة
وتوحي مضامين الخطاب بأن المغرب يتجه نحو مرحلة جديدة في تمويل التنمية، تقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسية: الاعتماد على التمويل الداخلي، وتوسيع ولوج المقاولات إلى التمويل، وتعبئة الادخار الوطني لخدمة الاستثمار المنتج.
وبذلك، يكون الملك قد رسم للقطاع البنكي والمالي خارطة طريق واضحة، تجعله أحد الفاعلين الرئيسيين في إنجاح النموذج التنموي، من خلال الانتقال من الدور التقليدي في الإقراض إلى دور أوسع في مواكبة التحول الاقتصادي، وتمويل الصناعة والابتكار، وتسريع وتيرة النمو.


