بقلم: محمد حفيظ
أمام ما جرى خلال أقل من 48 ساعة من موجة عبور جماعي غير مسبوقة نحو سبتة، وتفاعلا معها ومع تداعياتها، نشطت عندنا تحليلات وتفسيرات متعددة؛ بعضها نهل من “نظرية المؤامرة”، وبعضها احتمى بـ”نظرية السيادة”، وبعضها رمى بالمسؤولية إلى ما وراء البحر وما خلف الحدود، وبعضها أدرج ما حدث في سياق الصراع الإقليمي، بل وحتى الدولي، الذي يتجاوز حدود الطرفين المعنيين مباشرة، وبعضها الآخر ربطه بالتنافس الإيديولوجي في أوروبا، بل وحتى في الولايات المتحدة، بين اليمين، خصوصا المتطرف، واليسار… ويمكن أن نستمر إلى ما لا نهاية في استعراض المرجعيات التي استندت إليها هذه التحليلات.
ولذلك، وجدنا البعض يرى أن ترامب، ومعه إسرائيل، يقفان وراء ما حدث، وأن الأمر جاء ردا على موقف الحكومة الإسبانية ورئيسها اليساري من الحرب على غزة، وأن التوقيت اختير بعناية، مع اقتراب الانتخابات الإسبانية، بما قد يمهد الطريق لصعود اليمين، الذي يُنظر إليه بوصفه أقرب إلى توجهات الرئيس الأمريكي. ويستدل أصحاب هذا الرأي، في ما يذهبون إليه، بالقرار الذي أقدمت عليه إيطاليا، التي ترأس حكومتها جورجيا ميلوني، اليمينية المتطرفة، والقاضي بتعليق العمل باتفاقية “شنغن” مع إسبانيا مؤقتا لمدة شهر.
وهناك من ذهب إلى أن للمغرب خصوما يتربصون به في كل وقت وحين، ويسعون إلى الإساءة إلى صورته، في ظل الاستقرار السياسي الذي ينعم به، وأمام ما يحققه من تقدم في عدد من المجالات التي باتت تبوئه مكانة ريادية على الصعيد الإفريقي.
بل إن هناك من ذهب إلى أن الأمر يتعلق بقرار مغربي “سيادي”، تمثل في رفع الحراسة عن الحدود من الجانب المغربي، والسماح لآلاف المغاربة بالعبور إلى سبتة.
إن المشكل في أغلب هذه التحليلات ليس فيما تقوله، بل فيما تصمت عنه؛ فهي تصمت عن الداخل المغربي، مع أن الداخلين إلى سبتة ينتمون إلى المغرب، ومنه انطلقوا ليتجاوزوا الحدود الموروثة عن مرحلة الاستعمار الأوروبي.
نعم، إن زوايا النظر في التعامل مع مثل هذه الأحداث متعددة، ومساحات التحليل واسعة، ولكل الحق في أن يختار الزاوية التي يريد، أو النظرية التي يرتاح إليها. ومثلما أن الاختلاف في الرأي حق، فالاختلاف في التحليل حق أيضا، وكذلك في تبني النظريات؛ فكل ذلك يندرج ضمن الحق في الاختلاف.
لكن، كيفما كانت زاوية النظر، فإن أي تحليل سليم لا يُقبَل منه أن يصمت عن هذا الاستعداد الكبير لدى مواطنين مغاربة، من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، لمغادرة الوطن والهروب منه، غير آبهين بالمخاطر التي قد تودي بالحياة، مثلما لا يُقبَل من أي تحليل سليم أن يصمت عن الأسباب التي كانت وراء هذا الاستعداد، ولا يُقبَل منه، فضلا عن ذلك، أن يصمت عن صمت الحكومة.
المهم، مثلما كانت الأبواب مشرعة لعبور آلاف المغاربة، كانت أبواب التحليلات هي الأخرى مشرعة لعبور كل كلام، ولا سيما في ظل الصمت الرسمي المغربي، منذ اندلاع الحدث حتى لحظة كتابة هذه السطور.
فمنذ انطلاق موجة العبور الجماعي نحو سبتة، صدرت بلاغات وتصريحات متتالية عن الحكومة الإسبانية ووزارة الداخلية الإسبانية وحكومة سبتة المحلية وسلطاتها. بينما لم يصدر، حتى الآن، عن الحكومة المغربية، أو وزارة الداخلية المغربية، أو وزارة الخارجية المغربية، أي بلاغ أو تصريح يفسر للرأي العام ما جرى، كما لم يُعقد مؤتمر صحافي لتقديم حصيلة رسمية أو توضيح الموقف المغربي من هذه الأحداث.
وكما يظهر، فإن “الرواية الرسمية” الوحيدة التي نتابعها، وتنقلها وسائل الإعلام ويتداولها المواطنون، منذ الساعات الأولى لانطلاق الأحداث، تشكلت بالكامل من الجانب الإسباني، سواء من حيث المعطيات والمعلومات والأرقام التي يتم تحيينها أولا بأول، أو من حيث التوصيف والإجراءات.
ولذلك، وأمام هذا الصمت الرسمي المغربي، لم تنشط الإشاعة فحسب، بل نشطت أيضا التحليلات التي لا تكاد تعرف حدودا. وكان طبيعيا، والحالة هذه، أن تعرف التحليلات نشاطا منقطع النظير، بل إن بعضها، كما نقول بالدارجة، “زادْ ف النشاط حتى شاط”!
إن استمرار هذا الصمت المطبق فتح الباب أما الحديث عن “نظرية الصمت” لتبرير هذا الغياب الرسمي عن التعليق على ما جرى ويجري، والتبشير بفوائدها الاستراتيجية وبما قد تحققه من مكاسب تفوق، في نظر أصحابها، تلك التي قد تترتب على ما يمكن تسميته، على سبيل التقابل، بـ”نظرية الكلام”.
إن إمعان الحكومة المغربية في هذا الصمت، بينما عشرات المغاربة يفقدون حياتهم في عرض البحر قبل أن يصلوا إلى سبتة، يُعد استهانة بأرواح هؤلاء وبعائلاتهم وبالمغاربة جميعا. ألا يتعلق الأمر بمواطنين مغاربة فقدوا حياتهم؟!
الوقائع التي تابعها العالم أجمع محزنة، والأرقام التي تصلنا من الجانب الإسباني مفجعة، بينما دولتنا وحكومتنا في حالة صمت كامل؛ فلا المسؤولون يتكلمون هنا، ولا هم يتكلمون هناك، حتى أصبح المغربي يتساءل، على سبيل المفارقة: “واش هوما معانا ولا مع لُخْرَيْن”.
– نحو 49 ألف شخص دخلوا سبتة خلال أربع وعشرين ساعة فقط.
– نحو 60 ألف شخص هو الرقم الذي بلغه الداخلون في اليوم الثاني.
– أكثر من 37 ألف شخص عادوا حتى عصر يوم 31 يوليوز 2026.
– أكثر من 48 ألف شخص عادوا حتى نهاية مساء 31 يوليوز 2026.
أما الفاجعة الكبرى، فهي فقدان مواطنين مغاربة لأرواحهم في عرض البحر. ووفق ما أعلنته السلطات الإسبانية (ودائما السلطات الإسبانية هي التي تعلن في مقابل صمت السلطات المغربية) بلغ عدد الجثامين التي انتُشِلت من الجانب الإسباني 67، في حصيلة أولية؛ إذ يُحتمل وجود ضحايا آخرين قد يكونون لقوا حتفهم في عرض البحر. ومع ذلك، لم يكن هذا الرقم المؤلم كافيا لكسر الصمت الرسمي المغربي.
عندما لا تُنْطِق هذه الأرقام المفجعة والمحزنة الحكومةَ المغربية ولا تُكَسِّر صمتها، ولو في علاقتها بمواطنيها، فهل تستحق أن توصف بأنها حكومة مغربية؟
لقد أضافت هذه الأزمة إلى فاجعة هذا الهروب الجماعي الكبير، وفاجعة عدد الضحايا الذين فقدوا حياتهم، فاجعة أخرى هي فاجعة الصمت الرسمي، التي تعكس مستوى احترام الحكومة لمواطنيها وضمان حقهم في المعلومة.
وهكذا، انتقل التفاعل مع الأزمة من تحليل ما جرى إلى تحليل هذا الصمت ومحاولة تفسيره. وهنا، أيضا، ستنشط زوايا التحليل والتفسير وستُستدعَى النظريات من جديد.
في انتظار أن ينكسر الصمت.







