بقلم: عبد النبي شعول
عند أحد أضيق المضائق في العالم، حيث لا يفصل بين قارتي إفريقيا وأوروبا سوى أربعة عشر كيلومترا من الماء، تقف سبتة منذ آلاف السنين حارسة على مفتاحٍ لم يكفّ أحد عن التنازع عليه. سمَّاها الفينيقيون “أبيلا”، أحد عمودي هرقل الأسطوريين اللذين مثَّلا، في المخيال القديم، نهاية العالم المعروف. ثم جاء الرومان فأطلقوا عليها اسم “سبتم فراترس” (Septem Fratres)، أي “الإخوة السبعة”، نسبة إلى تلالها السبع، وهو الاسم الذي اشتُقَّ منه اسمها الحالي. ومع الفتح الإسلامي، دخلت سبتة مرحلة جديدة من تاريخها، لتغدو المدينة التي انطلق منها القائد طارق بن زياد سنة 711م على رأس جيش عبر المضيق نحو الأندلس، فاستحقت أن تُعرف، في ذاكرة التاريخ، ببوابة الفتح.
فمن هذه الصخرة، لا من غيرها، انبثقت ثمانية قرون من حضور إسلامي غيَّر وجه أوروبا. تعاقب عليها الأدارسة والمرابطون والموحدون والمرينيون، وهي ميناء يصل بين ضفتي المتوسط، تعبره التجارة والعلم والثقافة. ثم في سنة 1415، قبل أن يبدأ عصر الاكتشافات الكبرى بعقود، هبط عليها البرتغاليون في أول غزوةٍ أوروبية تجاوزت حدود القارة، فاتحين، من دون قصد، عصر استعمار العالم بأسره. قاومتها الجيوش المغربية جيلا بعد جيل، في العهدين السعدي والعلوي، فلم تُسْتَرد. وحين اتحد تاجا إسبانيا والبرتغال سنة 1580 صارت إسبانية، وحين انفصل التاجان سنة 1640 بقيت المدينة تحت السيطرة الإسبانية، وختمت معاهدة لشبونة سنة 1668 هذا القدر بحبر لم يجفَّ حتى اليوم: أكثر من ثلاثة قرون ونصف من الحكم الإسباني الذي بدأ بالاحتلال ولم ينقطع.
ومنذ عقود، والمغرب ينظر إليها كجرح تاريخي، فيما تراها إسبانيا بيتا لها. وبين الموقفين يتأرجح ملف لا يُغلق ولا يُحسم، حاضر في كل خطاب، غائب عن كل حل.
ثم انقلبت الحكاية على نفسها، انقلابا لم يخطر ببال فاتح ولا محتل. فأبناء الوطن الذي يسمّيها جرحه صاروا هم من يعبرون إليها اليوم، لا بالسيف بل بأجسادهم العارية، لا لفتحها بل للنجاة فيها. يعبرون الماء نفسه الذي عبره طارق بن زياد قبل ثلاثة عشر قرنا، لكن في اتجاهٍ معاكسٍ تماما لمعنى ذلك العبور: هو عبر ليصنع تاريخا، وهم يعبرون بحثا عن زاويةٍ صغيرة يقفون فيها بكرامة.
المدينة لم تتغير؛ الذي تغير هو من يعبر إليها. بالأمس كان جيشا يحمل راية دولة، واليوم صار جسدا واحدا يحمل خوفه وحده، بلا سفينة، ولا سند، ولا يقين بأن الشاطئ الآخر سيبتسم له كما لم يبتسم له الشاطئ الأول.
وفي هذا، بالضبط، تختصر المفارقة أكثر من ألفٍ وثلاثمئة عام في صورة واحدة: بوابة صنعت التاريخ يوما، وتصنع اليوم يأسًا يتكرر مع كل موجة. واللافت أن الشجاعة نفسها لم تتغيّر قيد أنملة؛ فمن أحرق سفنه ليقطع طريق التراجع، ومن يلقي بجسده في الأمواج ليقطع طريق العودة إلى واقع لم يعد يُحتمل، يشتركان في خصلة طالما طبعت صفحاتٍ مشرقة من التاريخ المغربي: الجرأة على اقتحام المجهول. غير أن الأول كان يعبر في إطار مشروع أُمَّة، أما الثاني فيعبر من أجل أُمِّه. وما بين الأُمَّة والأُمِّ تختصر حكاية التحول التي عاشها ويعيشها الوطن.
فهل يعقل أن تظل هذه الطاقة، القادرة على مواجهة البحر والموت، أسيرة مغامراتٍ فردية تنتهي، في أحسن الأحوال، بحياةٍ معلقة في الظل بلا أوراق ولا استقرار، أو بالترحيل، وفي أسوئها، بالغرق، حيث لا يبقى من الحلم سوى جسدٍ يبتلعه صمت البحر؟ أم آن الأوان أن تتحول، في إطار مشروعٍ جماعي يوحدها بدل أن يبددها، إلى ما هو أجدر بها: استكمال تحرير ما تبقى من ثغور هذا الوطن، بدل أن تستنزف شابا بعد شاب في محاولات عبور يعقبها الترحيل صاغرا، مرة تلو الأخرى؟
فسبتة لم تكن يوما مجرد صخرة عند حافة البحر؛ بل كانت جزءا من الأرض المغربية، وظلت دائمًا مرآة لتحولات الوطن. بالأمس عكست عزم أمة، واليوم تعكس عجز وطن عن أن يمنح أبناءه سببا للبقاء فيه، بقدر ما منحهم سببا كافيا للمخاطرة بأرواحهم هربا منه.


