رغم الرهانات الاقتصادية التي تحملها الأوراش الكبرى المبرمجة في أفق 2030، ومشاريع كأس العالم المرافقة لها بالمغرب. دق المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ناقوس الخطر بشأن انعكاساتها المحتملة على الميزان التجاري، محذرا من أن الحجم الضخم للاستثمارات الموجهة لهذه الأوراش، والمقدر بنحو 190 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين 2024 و2030. سيؤدي إلى ارتفاع كبير في واردات السلع الوسيطة ومعدات وتجهيزات الإنتاج التي تحتاجها الشركات المنفذة، وهو ما قد يفاقم العجز التجاري إذا لم يواكبه رفع ملموس لنسبة الإدماج المحلي داخل الاقتصاد الوطني.
واعتبر التقرير السنوي للمجلس أن أوراش 2030، تشكل فرصة استراتيجية غير مسبوقة لتسريع النمو الاقتصادي وتحديث البنيات التحتية وتعزيز جاذبية المملكة. منبها في المقابل إلى أن هذه الدينامية الاستثمارية تحمل كلفة خارجية مهمة تتمثل في الارتفاع المرتقب للواردات المرتبطة بإنجاز المشاريع الكبرى. بما يشمل المعدات الصناعية والآليات ومواد التجهيز والسلع الوسيطة التي لا ينتج جزء مهم منها محليا. وهو ما سينعكس مباشرة على المبادلات التجارية الخارجية.
البناء والأشغال العمومية
وأشار التقرير إلى أن حجم الاستثمارات المبرمجة، الذي يناهز 190 مليار درهم، أي ما يعادل حوالي 11.9 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي خلال الفترة 2024-2030. سيشكل دعامة قوية للنشاط الاقتصادي، خاصة في قطاعات البناء والأشغال العمومية والنقل واللوجستيك والسياحة والخدمات الحضرية. كما سيساهم في تحديث البنيات التحتية وتعزيز الترابط بين المجالات الترابية وتقوية إشعاع المغرب دوليا. مشددا على أن تحقيق هذه المكاسب يظل رهينا بقدرة الاقتصاد الوطني على تحويل هذه الاستثمارات إلى قيمة مضافة محلية. بدل أن تتحول إلى موجة واسعة من الواردات.
واستند هذا التحذير إلى واقع قائم رصده التقرير في الاقتصاد المغربي، يتمثل في استمرار اعتماد عدد من القطاعات الإنتاجية على استيراد السلع الوسيطة وسلع التجهيز. وهو ما أدى إلى اتساع العجز التجاري ليبلغ حوالي 20.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي. حيث رأى المجلس أن هذا الوضع يعكس محدودية الاندماج المحلي داخل بعض الصناعات، وجعل الاقتصاد أكثر ارتباطا بالأسواق الخارجية سواء في التزود بالمعدات أو بالمكونات الصناعية. الأمر الذي يحد من الأثر الحقيقي للاستثمارات على النسيج الإنتاجي الوطني.
ومن خلال هذا التشخيص، يبرز التقرير أن المشكلة لا تكمن في حجم الاستثمارات في حد ذاته، وإنما في طبيعة إنفاقها. فكلما ارتفعت حصة المشتريات المستوردة في إنجاز المشاريع. ارتفعت معها فاتورة الواردات واتسع الضغط على الميزان التجاري، في حين أن توسيع الاعتماد على الموردين والمصنعين المحليين يسمح بالاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني. ويخلق آثارا اقتصادية ممتدة تشمل التشغيل والاستثمار ونقل التكنولوجيا.
المقاولات المغربية
ولهذا دعا المجلس إلى جعل مشاريع 2030 مناسبة لإعادة هيكلة النسيج الصناعي الوطني، عبر تعزيز المحتوى المحلي، وتقوية اندماج المقاولات المغربية، وخاصة المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، في سلاسل القيمة المرتبطة بالأوراش الكبرى. بما يمكنها من الاستفادة من الطلب الذي ستخلقه هذه المشاريع بدل اقتصاره على الشركات الأجنبية أو المنتجات المستوردة. كما أكد أن نجاح هذه المشاريع لا يقاس فقط بسرعة إنجاز البنيات التحتية، وإنما أيضا بقدرتها على خلق آثار اقتصادية مستدامة بعد انتهاء التظاهرات الرياضية. سواء من خلال فرص الشغل أو تطوير القدرات الصناعية الوطنية أو تحسين تنافسية الاقتصاد المغربي.
وفي السياق نفسه، ربط التقرير بين محدودية الإدماج المحلي وضعف الأثر الاقتصادي للاستثمار على التشغيل. مبرزا أن الاقتصاد المغربي ما يزال يعتمد على أنشطة ذات كثافة رأسمالية مرتفعة، في وقت لا تستفيد فيه المقاولات الوطنية بالشكل الكافي من سلاسل الإنتاج، وهو ما يقلص من فرص خلق مناصب الشغل غير المباشرة ويحد من انعكاسات المشاريع الكبرى على الاقتصاد المحلي. كما دعا إلى رفع نسبة المحتوى المحلي وتحسين مناخ الأعمال وتمكين المقاولات الوطنية من الولوج إلى الصفقات وسلاسل التوريد المرتبطة بهذه الأوراش.
فرصة استثنائية
وخلص التقرير إلى أن مشاريع كأس العالم 2030 تمثل فرصة اقتصادية استثنائية للمغرب، لكنها في الوقت نفسه تشكل اختبارا لقدرة الاقتصاد الوطني على تحويل الاستثمارات الضخمة إلى قيمة مضافة محلية. فكلما ارتفع الاعتماد على استيراد السلع الوسيطة والتجهيزات، ارتفع الضغط على الميزان التجاري وتراجع الأثر التنموي للاستثمارات، بينما يشكل توسيع الإدماج الصناعي المحلي وتعزيز مشاركة المقاولات الوطنية الشرط الأساسي لضمان أن تتحول هذه الأوراش من مجرد مشاريع للبناء إلى رافعة حقيقية للتصنيع والنمو المستدام.








