جسركم إلى الخبر

 بقلم: الأستاذ منير البلغيتي

لم يعد النقاش حول القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة مجرد خلاف مهني حول شروط ممارسة الدفاع، ولا مواجهة ظرفية بين الحكومة والمحامين، ولا حتى سجالاً تشريعياً حول بعض المواد التي أثارت اعتراضات دستورية ومهنية.

لقد تحول مسار هذا القانون، بما رافقه من نقاشات ومواقف واعتراضات، وبما انتهت إليه إحالته على المحكمة الدستورية، إلى واقعة كاشفة لأعطاب أعمق في صناعة القانون وفي علاقة المؤسسة التشريعية بالدستور والرقابة الدستورية.

فالواقعة الكاشفة لا تنشئ العطب بالضرورة، وإنما تجعله مرئياً.

ومن هذه الزاوية، ربما تكون إحدى أهم النتائج غير المقصودة لمسار قانون المحاماة أنه نقل النقاش من سؤال: ما القانون الذي نريده للمحاماة؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف نريد أن تُصنع القوانين في دولة دستورية؟

أولاً: الأغلبية تحكم، لكنها لا تملك الدستور  :

الديمقراطية الدستورية ليست مجرد حكم للأغلبية، وإلا اختُزلت الديمقراطية في عملية حسابية تنتهي عند عد الأصوات.

الأغلبية تحكم وتشرّع وتنفذ برنامجها السياسي، ولكنها تفعل ذلك داخل حدود أعلى منها هي حدود الدستور.

فالبرلمان، حين يصوت على قانون، يمارس سلطة مؤسسة لا سلطة تأسيسية؛ والحكومة، حين تقترح مشروع قانون وتدافع عنه، لا تتحرر من القيود الدستورية بسبب توفرها على أغلبية برلمانية تسنده.

ومن هنا يظهر خطر ما وصفه الفكر الدستوري منذ زمن بـ*«استبداد الأغلبية»*: أن تتحول الأغلبية العددية من وسيلة مشروعة لاتخاذ القرار إلى اعتقاد بأن امتلاك العدد يمنح صاحبه القدرة على تجاوز الحدود الدستورية للقرار.

وبذلك يصبح قانون المحاماة اختباراً يتجاوز المهنة نفسها.

فالسؤال لم يعد فقط عما إذا كانت هذه المادة أو تلك ملائمة للمحامين، وإنما عما إذا كانت صناعة القانون قد احترمت فلسفة الدستور، والحقوق والحريات، وضمانات الدفاع، والاستقلالية المهنية، ومقتضيات الأمن القانوني والقضائي، ومختلف الاعتراضات التي أثيرت خلال المسار التشريعي.

إن الأغلبية تستطيع أن تربح التصويت، لكنها لا تستطيع بالتصويت وحده أن تربح الدستور.

ثانياً: الرقابة الدستورية ليست ملحقاً بالعملية التشريعية :

إنه لهذا السبب توجد الرقابة الدستورية ، فهي ليست خصومة سياسية ثانية بعد انتهاء التصويت، وليست وسيلة لإعادة ما خسرته الأقلية داخل البرلمان، وإنما هي إحدى ضمانات التوازن داخل الدولة الدستورية ، فعندما يُحال قانون على المحكمة الدستورية، لا يتعلق الأمر بتمديد النقاش السياسي، وإنما بالانتقال من مشروعية الأغلبية إلى مشروعية الدستور.

وكان المنتظر، في حالة القانون رقم 66.23، أن تنتقل المناقشة إلى جوهر الاعتراضات الدستورية المثارة بشأن مقتضياته.

غير أن ذلك لم يحدث ، ذلك ان  الرقابة توقفت عند عتبة الإحالة ذاتها بسبب عدم إرفاق رسالة الإحالة بالنسخة الأصلية من القانون المحال ، وهنا ظهرت واقعة كاشفة ثانية، ربما لا تقل أهمية عن الأولى.

ثالثاً: حين يصبح الطريق إلى المحكمة الدستورية جزءً من المشكلة:

إذا كانت المحكمة الدستورية لم تصل إلى فحص جوهر المآخذ ، فإن ذلك يعني أن السؤال الدستوري لم يُحسم في موضوعه، وإنما تعذر الوصول إليه بسبب قصور مرتبط بإجراءات الإحالة.

وهنا ينبغي الانتقال من مساءلة القانون إلى مساءلة المسار المؤسسي الذي كان يفترض أن يتيح مراقبة دستوريته.

فرئيس مجلس النواب، عندما يباشر إحالة قانون على المحكمة الدستورية، لا يؤدي عملاً بريدياً أو مادياً محضاً بنقل وثائق من مؤسسة إلى أخرى ، إنه يساهم في تفعيل واحدة من أهم آليات ضمان سمو الدستور ؛ ولهذا فإن استكمال العناصر والوثائق اللازمة للإحالة ليس تفصيلاً إدارياً هامشياً، وإنما يدخل في صميم واجب العناية المؤسساتية المرتبط بحسن سير المرفق البرلماني.

فإذا كان عدم إرفاق النسخة الأصلية من القانون هو الذي حال دون مباشرة المحكمة رقابتها الموضوعية، فإن الواقعة تطرح سؤالاً مشروعاً حول قابلية تكييف هذا القصور باعتباره خطأ مرفقياً مؤسسياً. ولا يتعلق الأمر هنا باتهام شخصي لرئيس مجلس النواب أو بافتراض نية معينة لديه ، فالتمييز ضروري بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي ، مادام موضوع النقاش هو أداء المؤسسة: هل قامت، عند ممارسة اختصاص دستوري بالغ الحساسية، بكل ما يلزم حتى تتمكن المحكمة الدستورية من مباشرة اختصاصها؟

رابعاً: الخطأ لا يقاس بحجمه المادي وإنما بأثره الدستوري

قد يبدو عدم إرفاق وثيقة، للوهلة الأولى، مجرد نقص شكلي.

غير أن قيمة الإجراء لا تقاس دائماً بحجمه المادي، وإنما بالأثر القانوني المترتب عليه.

فإذا أدى نقص وثيقة واحدة إلى توقف الرقابة الدستورية قبل بلوغ الموضوع، فإننا لم نعد أمام مجرد سهو إداري يمكن التقليل من شأنه، وإنما أمام واقعة مست إحدى ضمانات سمو الدستور.

وهنا يطرح السؤال الأكثر حساسية: هل يتحمل أصحاب الإحالة، ومن ورائهم المجتمع، نتائج خلل لم يصدر عنهم، وإنما وقع أثناء استكمال المؤسسة المختصة لإجراءات الإحالة؟

إن الإحالة إلى المحكمة الدستورية ليست غاية في ذاتها. فالغاية هي تمكين المحكمة من ممارسة اختصاصها. من هنا لا ينبغي أن ينحصر واجب المؤسسة في إرسال رسالة الإحالة، بل يمتد منطقياً إلى ضمان استيفائها للشروط التي تمكن القاضي الدستوري من مباشرة الرقابة.

خامساً: سابقة المسطرة المدنية وسؤال اختلاف آثار النقص

وتصبح المسألة أكثر تعقيداً عند استحضار سابقة قانون المسطرة المدنية.

فقد سبق أن أثير، في سياق إحالة ذلك القانون، موضوع عدم إرفاق رسالة الإحالة بنسخة أصلية من القانون، ومع ذلك مضى المسار الدستوري إلى فحص النص وترتيب آثار الرقابة عليه وإرجاعه بمؤاخذات إلى مجلس النواب.

وهنا لا يتعلق الأمر بالمقارنة لمجرد المقارنة، وإنما بسؤال جوهري يتعلق بـالأمن الدستوري ؛ فإذا تعلق الأمر بنقص متماثل أو متقارب في طبيعته، فكيف أمكن أن يستمر مسار الرقابة في حالة بينما توقف عند عتبة الإحالة في حالة أخرى؟

وهل كان من الممكن تدارك النقص المتعلق بقانون المحاماة؟

ومن كان يتحمل واجب المبادرة إلى ذلك؟

وهل تسمح طبيعة الرقابة الدستورية بتغليب إمكانية استكمال الملف متى كان النقص قابلاً للتدارك، حفاظاً على الحق في الولوج الفعلي إلى الرقابة؟

إنها أسئلة لا تمس فقط قانون المحاماة، وإنما تمس استقرار شروط الإحالة، والمساواة في الولوج إلى القضاء الدستوري، وقابلية المتقاضين الدستوريين لتوقع الآثار القانونية للإجراء نفسه.

فالأمن الدستوري لا يتحقق فقط باستقرار مضمون القاعدة، وإنما أيضاً باستقرار المسالك المؤدية إلى حمايتها.

سادساً: واقعة واحدة تكشف مستويين من العطب

في هذا السياق ، يكون قانون المحاماة قد كشف مستويين مختلفين ولكن متكاملين من الإشكال.

الأول يتعلق بكيفية ممارسة الأغلبية سلطتها التشريعية: هل الأغلبية العددية كافية لتجاوز الاعتراضات الحقوقية والدستورية والمؤسساتية، أم أن الديمقراطية الدستورية تفرض على الأغلبية واجب الإنصات والتعليل واحترام الحدود التي ترسمها الحقوق والضمانات الدستورية؟

والثاني يتعلق بحماية الطريق المؤدي إلى مراقبة تلك الأغلبية: ماذا يحدث إذا كان الخلل لا يوجد فقط في القانون المطعون فيه، وإنما تسلل أيضاً إلى الإجراء الذي يفترض أن يسمح للقاضي الدستوري بمراقبته؟

وهنا تبلغ الواقعة ذروة مفارقتها ؛ فالمعترضون على قانون المحاماة طرقوا باب القضاء الدستوري، لكن الأسئلة التي أثاروها لم تصل إلى المحاكمة الدستورية في موضوعها، لأن الرقابة توقفت قبل ذلك بسبب قصور في استكمال الإحالة.

وهكذا يصبح السؤال مزدوجاً:

هل احترمت الأغلبية الدستور وهي تشرّع؟

ثم، قبل أن نعرف الجواب:

هل قامت المؤسسة التشريعية بكل ما يلزم حتى يتمكن القاضي الدستوري أصلاً من الإجابة عن السؤال الأول؟

سابعاً: «إن للبيت رباً يحميه»… ولكن من يحمي الطريق إلى البيت؟

يمكن هنا استعادة العبارة الشعبية: «إن للبيت رباً يحميه»، ولكن بدلالة دستورية مؤسساتية لا قدرية ولا جبرية سياسية ؛ فالبيت هو دولة القانون، و«رب البيت» في معناها المجازي هنا هو سمو الدستور ، غير أن الدستور لا يحمي نفسه بنفسه.

تحميه المؤسسات عندما تلتزم بحدوده؛ وتحميه المعارضة عندما تمارس وظائفها الدستورية؛ ويحميه المجتمع عندما يراقب ويناقش؛ ويحميه الفقه عندما ينتقد؛ ويحميه القضاء عندما ينتصر للحقوق؛ وتحميه المحكمة الدستورية عندما تمارس الرقابة المنوطة بها.

لكن كل ذلك يفترض ألا يتعطل الطريق المؤدي إلى القاضي الدستوري ، فوجود المحكمة الدستورية وحده لا يكفي لضمان سمو الدستور إذا كانت المسالك الإجرائية المؤدية إليها قابلة للتعطل بسبب خطأ يمكن تفاديه أو تداركه.

وهنا وجب التذكير بجزاء وجود عيوب الرضا -الغلط والتدليس والغبن – في العلاقات التعاقدية بين  المؤسسات والمواطنين على حد سواء

ليبقى السؤال هل ننتج الثقة ونصنع المعنى ام نبدد كليهما دون اكتراث بالوطن والمواطنين!

شاركها.

التعليقات مغلقة.