بقلم: عبد الحي الغربة (استاذ باحث في السياسات العمومية)
إن المتتبع لتطور المالية العمومية بالمغرب يدرك أننا انتقلنا في السنوات الأخيرة من نقاش تقني حول توازن الميزانية إلى نقاش وجودي حول قدرة الدولة نفسها على الوفاء بالتزاماتها. فالدستور في فصله الأول أقر مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، والقانون التنظيمي لقانون المالية رقم 130.13 كرس مبادئ الصدقية والاستدامة ونجاعة الأداء، غير أن تنزيل أوراش كبرى كالحماية الاجتماعية وتعميم التأمين الإجباري عن المرض وإصلاح المنظومة التعليمية والصحية وتنظيم تظاهرات دولية كبرى، جعل الفجوة تتسع بشكل غير مسبوق بين ما تقرره الدولة كسياسات عمومية وما تملكه فعلا كموارد لتمويلها.
والحقيقة أن النموذج التمويلي المغربي الحالي يقوم على معادلة لم تعد قابلة للاستمرار. فهو يعتمد أساسا على موردين اثنين، المداخيل الجبائية ومديونية الخزينة. فعلى المستوى الجبائي، ورغم ما جاء به القانون الإطار 69.19 من مبادئ العدالة وتوسيع الوعاء، لا تزال البنية الجبائية مركزة على فئة ضيقة من الملزمين، في حين أن جزءا كبيرا من النشاط الاقتصادي، المقدر بأزيد من ثلث الناتج الداخلي، يظل خارج الوعاء، إضافة إلى كلفة النفقات الجبائية التي تتجاوز 32 مليار درهم سنويا دون أن يخضع أثرها التنموي لأي تقييم حقيقي كما يقتضيه الفصل 70 من الدستور. أما على مستوى المديونية، فقد أصبحت خدمة الدين تلتهم حصة متزايدة من نفقات التسيير، لدرجة أن الدولة أصبحت تقترض لتمويل التزامات اجتماعية دائمة بموارد ظرفية ومتقلبة، وهو ما يتناقض صراحة مع مبدأ الاستدامة المنصوص عليه في المادة 20 من القانون التنظيمي للمالية.
من هنا تبرز أهمية مشروع قانون المالية لسنة 2027، ليس باعتباره وثيقة محاسباتية سنوية لتوزيع الاعتمادات، بل باعتباره لحظة سياسية وتشريعية لاختبار ما إذا كان القانون المالي قادرا على أن يتحول من أداة لتدبير العجز إلى أداة لإعادة هندسة التمويل العمومي. فالرهان اليوم ليس هو كم ستنفق الدولة، بل كيف ستمول، ومع من، وبأي نجاعة.
إن المدخل الأول لهذه الهندسة الجديدة يمر حتما عبر تفعيل آليات التمويل خارج الميزانية العامة. فالمشرع عندما أحدث صندوق محمد السادس للاستثمار بموجب القانون 76.20، لم يكن هدفه إحداث مؤسسة عمومية إضافية، بل خلق رافعة لتعبئة الرأسمال الخاص عبر آلية التمويل المختلط. غير أن هذا الصندوق لا يزال إلى اليوم يشتغل بمنطق المؤسسة التقليدية.
إن قانون مالية 2027 مدعو إلى تفعيل مساهمات الدولة في هذا الصندوق وتوجيهه نحو تمويل مشاريع الماء والطاقة والمستشفيات والجامعات، بدل أن تظل هذه المشاريع عبئا كاملا على الميزانية العامة. والأمر نفسه ينطبق على المالية الخضراء والزرقاء، حيث يمكن للمغرب، استنادا إلى التزاماته الدولية، أن يصدر سندات سيادية مستدامة لتمويل تحلية المياه والهيدروجين الأخضر، وهي مجالات لا يمكن تمويلها بمنطق الضريبة وحده.
أما المدخل الثاني فيتعلق بالعدالة الجبائية، فلا يمكن الحديث عن دولة اجتماعية بجباية لا اجتماعية. إن الإصلاح الحقيقي لا يكمن في الرفع الظرفي لنسب الضريبة على القيمة المضافة أو الضريبة على الشركات، بل في الجرأة على مراجعة الامتيازات الجبائية غير المنتجة، وإخضاع الثروات والمهن ذات الدخل المرتفع للضريبة الفعلية، وإدماج القطاع غير المهيكل عبر نظام تحفيزي ومبسط. فالفصل 39 من الدستور ينص على أن الجميع يتحمل التكاليف العمومية على قدر الاستطاعة، وهو نص ظل معطلا في الممارسة. وقانون مالية 2027 سيكون مطالبا بتنزيل هذا الفصل، لأن تمويل الحماية الاجتماعية لا يمكن أن يستمر بجباية تفتقد للعدالة.
ويبقى المدخل الثالث، وهو الأهم، مرتبطا بالنجاعة. فأزمة التمويل في المغرب ليست أزمة موارد فقط، بل هي أزمة أثر. وتقارير المجلس الأعلى للحسابات تؤكد أن جزءا كبيرا من الاستثمارات العمومية لا يحقق الأهداف المرجوة منه.
إن مبدأ ربط التمويل بالنتائج الذي كرسته المادة 39 من القانون التنظيمي 130.13 لا يزال حبرا على ورق. فلا يعقل أن تستمر الدولة في تحويل اعتمادات مهمة للقطاعات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية دون عقود نجاعة ومؤشرات أداء قابلة للقياس والمساءلة. إن كل درهم عمومي يجب أن يكون له أثر، وإلا فإننا لا نمول سياسات عمومية، بل نمول استمرارية إدارية.
إن الخلاصة التي يمكن الخروج بها هي أن المغرب يوجد اليوم أمام مفترق طرق. فإما أن يظل قانون المالية مجرد قانون لتدبير التوازنات الظرفية، نلجأ فيه كل سنة إلى الاقتراض لسد العجز، ونؤجل الإصلاح إلى السنة المقبلة، وإما أن نعتبر مشروع قانون مالية 2027 فرصة لقطيعة إصلاحية حقيقية، ننتقل فيها من منطق الدولة الممولة الوحيدة إلى منطق الدولة المعبئة والموجهة والضامنة للتمويل، ونكرس فيها مبدأ أن الاستدامة المالية ليست خيارا تقنيا، بل هي التزام دستوري تجاه الأجيال القادمة كما نص على ذلك الفصل 31 من الدستور. وبين الخيارين، يتحدد ما إذا كنا سننجح في تمويل الدولة الاجتماعية، أم أننا سنمول فقط وهم الدولة الاجتماعية.


