بقلم: عبد الرحيم التوراني
يستوقف المرء مطولا ذلك الدفاع المستميت الذي يبديه البعض لصالح السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، ومطالبتهم لمنتقديها بأن يعطوها “التِّيقار”، أي مساحة للتجاوز والتغاضي. وهؤلاء الرحماء بالسيدة المنصوري يبدو أنهم نسوا أو تناسوا حجم الانتقادات الحادة التي طالت آخر أسلافها في مناصب المسؤولية، وعلى رأسهم عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني وعزيز أخنوش.. فلماذا هذا التعاطف المستغرب كأن السيدة المنصوري فوق المساءلة أو الاستدراك؟ أم أن الأمر يقاس بمعايير أخرى لمجرد كونها امرأة؟
إن ما يثير الاستغراب حقا لا يقتصر على هذه الحصانة المصطنعة، بل يتعداه إلى المشهد ذاته حين اختارت السيدة المنصوري إلقاء كلمتها في قمة دولية كالقمة الروسية الافريقية بموسكو بلغة المستعمر، متخلية عن لغتها الوطنية الدستورية القانونية. ولو أنها قرأت تلك الكلمة بلغتها الأم، حتى وإن ظهرت بالتردد والتلعثم ذاته الذي شهدناه تحت قبة البرلمان من دون همزة أو طلاقة، لكان ذلك أهون وأشرف ألف مرة من الالتجاء إلى لسان أجنبي. فهل كانت السيدة المنصوري تعتقد حقا أنها ستنال الإعجاب أو تفرض هيبتها باستعارة لغة المارشال ليوطي؟ وكيف يرتضي العقل أن يجمع بين ارتداء اللباس المغربي التقليدي الأصيل كرمز للهوية، وبين استعارة لسان غير اللسان الوطني للتعبير عن تلك الهوية نفسها؟
إن هذه الواقعة تلامس جرحا أعمق يتجاوز السلوك الفردي للسيدة المنصوري إلى جوهر المؤسسات، فالحادثة تعيد طرح تساؤلات كبرى حول حدود احترام الدستور والسيادة. فالنص الدستوري الذي يحدد اللغة الرسمية للدولة ليس خيارا استئناسيا وترفا، بل هو عقد اجتماعي وسياسي ملزم لجميع أجهزة الدولة ومسؤوليها.
وعندما تتخلى مسؤولة بحجم السيدة المنصوري عن لغتها الرسمية في محفل دولي لصالح لغة مستعمر سابق، فإن ذلك يمثل خرقا صريحا للرمزية الدستورية واستهانة بالوعاء الحاضن لذاكرة الأمة. فاللغة ليست مجرد أداة تقنية باردة للتواصل، بل هي كما وصفها الفلاسفة مسكن الوجود والبنية التحتية الأساسية للفكر والتماسك الاجتماعي.
في محاولة للتغطية على مثل هذه المواقف، تبرز أصوات تدافع عن السيدة المنصوري وغيرها بذريعة الحداثة أو الانفتاح العالمي أو الواقعية الإدارية أو ضرورة الموقف الدبلوماسي. وهي مبررات لا تصمد أمام واقع الحقائق، فبالنسبة لذريعة الانفتاح والحداثة يخلط عمدا بين إتقان اللغات الأجنبية كمهارة علمية فردية، وبين فرضها كبديل عن اللغة الوطنية في الفضاءات السياسية الرسمية والدستورية. فكبار قادة الدول المتقدمة يلقون خطاباتهم بلغاتها الوطنية حصنا لسيادتهم ورسالتهم.
أما ذريعة الواقع الإداري أو الدبلوماسي، فإن تعليل هذا السلوك دفاعا عن وزراء سابقين أو حاليين كالسيدة المنصوري لا يعدو أن يكون تبريرا واهيا، يعكس استمرار الهيمنة الهيكلية ومصالح النخب الحريصة على إبقاء لغة المستعمر أداة للتميز الطبقي واحتكار القرار، عوض الانخراط الجاد في مأسسة اللغة الوطنية وتطويرها. وكأن هؤلاء بحاجة لمن يذكرهم بأن اللغة العربية ليست لغة محلية، بل هي إحدى اللغات الرسمية المعتمدة في أكبر محفل دبلوماسي عالمي، وهو هيئة الأمم المتحدة.
لا يخرج الأمر عن نطاق عقدة الاستلاب الثقافي أو ما يعرف بعقدة المستعمر، حيث يربط زيفا التقدم بلغة الآخر والتخلف باللغة الأم، وهو استلاب يجرد الأمة من ثقتها بنديتها التاريخية.
إن السيادة السياسية والاقتصادية لأي أمة تظل منقوصة ما لم تتحقق السيادة اللغوية والمعرفية. فحين تدار المؤسسات ويصاغ الفكر الاستراتيجي بلسان أجنبي، سواء من طرف السيدة المنصوري أو غيرها من المسؤولين، تظل عقولنا وصياغة قرارنا مرهونة بالمنظومة الفكرية لمنشئ تلك اللغة. والتمسك باللغة الوطنية ليس تعصبا أعمى، بل هو شجاعة سياسية تثبت حضور الدولة كفاعل مستقل.
لا شك أن من يحيط بالسيدة المنصوري من خبراء البروتوكول والإتيكيت ومستشاري المظهر أو الصورة العامة، هم من أشاروا عليها بالظهور بالقفطان المغربي، الذي يعلم الله كم يبلغ سعره بالملايين، بقصد الإبهار ولفت الأنظار وجذب الكاميرات، إلا أنهم نسوا إتمام الزي بالشربيل التقليدي في القدمين. لكن الأسف الأكبر لم يكن في تفاصيل الهندام، بل في إهمال اللغة الوطنية والدوس عليها بحذاء ذي كعب عال.. فلم يكن الموقف بالمرة عاليا كما تمنوا.
وقد انتبه البعض إلى حقيبة اليد المذهبة التي كانت تتأبطها الوزيرة المقفطنة، متسائلين بمرارة عما إذا كانت قد تركت لغتنا داخل تلك الحقيبة وهي تقف على منصة القمة للكلام، كمن يحتفظ بطقم أسنانه عند النوم! وفعلا نامت فاطمة.. فمتى ستستيقظ؟
إن الانتقاد الموجه لتصرفات مسؤولة بحجم فاطمة الزهراء المنصوري في قضية اللجوء للغة الأجنبية ليس جدالا شكليا حول الكلمات، بل هو جزء من معركة أعمق لاستعادة الكرامة الوطنية وصيانة الدستور، وبناء سيادة حقيقية تبدأ من لسان المسؤول وتستقر في صميم قراره السياسي.


