جسركم إلى الخبر

بقلم: عمر لبشيريت

تجاوزنا، اليوم، السؤال الذي شغل الناس، قبل أسابيع، حول سبب اختيار فوزي لقجع حزبَ الأصالة والمعاصرة. أو لنقل، تجاوزنا، على الأقل، الجدل حول هذا الاختيار. فهذا حق سياسي للرجل لا جدال فيه؛ ومن حقه، مثل أي مواطن مغربي، أن يختار الحزب الذي يريد، وأن يمارس العمل السياسي، وأن يترشح للانتخابات، وأن يسعى إلى تحمّل مسؤولية عمومية عبر صناديق الاقتراع.

السؤال الجديد الذي يُطرح اليوم، والأكثر إزعاجاً، هو: هل يستطيع فوزي لقجع أن يكون، في الوقت نفسه، قيادياً حزبياً، ومرشحاً محتملاً للانتخابات، ورئيساً للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، التي يُفترض أن تكون على مسافة واحدة من جميع الأندية والفاعلين والجماهير؟

هنا تبدأ المشكلة: مشكلة مغادرة السيد فوزي لقجع، رئيس جامعة الكرة ورئيس لجنة تنظيم المونديال والوزير المنتدب للميزانية، لمنطقة الحياد التي يُفترض أن يتحرك داخلها.

فانضمام لقجع رسمياً إلى حزب الأصالة والمعاصرة، في هذه المرحلة بالذات، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تفصيل في مساره الشخصي. فالرجل لا يدخل السياسة من موقع مواطن عادي، بل يدخلها وهو يحمل وراءه واحدة من أكثر المؤسسات تأثيراً في الرأي العام المغربي: جامعة كرة القدم، ومنظومة رياضية تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أهم مصادر الفخر الوطني والتعبئة الجماهيرية والتأثير في الرأي العام.

لقد أصبحت كرة القدم، في المغرب كما في غيره، أكثر من مجرد لعبة. فالمنتخب الوطني، وإنجازاته، ونجومه، وملاعبه، والمنافسات القارية والدولية، وكأس العالم 2030، كلها تحولت إلى عناصر ذات تأثير قوي في المزاج العام. ولذلك، فإن الشخص الذي يقف في واجهة هذه المنظومة لا يمتلك فقط سلطة إدارية داخل الجامعة، وإنما يمتلك أيضاً رصيداً رمزياً وشعبياً هائلاً.

وهنا بالضبط تبرز مسألة «تضارب الأدوار». فرئيس الجامعة يُفترض فيه أن يكون رئيساً لكل الأندية، وليس لحزب سياسي؛ وأن يكون مسؤولاً عن المنتخب الذي يشجعه المغاربة جميعاً، وليس عن جمهور انتخابي بعينه.

أن يتعامل مع مسؤولي الأندية باعتبارهم شركاء في تدبير كرة القدم، لا باعتبارهم شبكات انتخابية محتملة، وأن تبقى أبواب الجامعة مفتوحة للجميع، بصرف النظر عن اللون السياسي لهذا المسؤول أو ذاك.

لكن ماذا يحدث عندما يصبح رئيس الجامعة نفسه فاعلاً حزبياً، ويقترب موعد الانتخابات التشريعية؟ هنا يصبح السؤال مشروعاً حول الحدود الفاصلة بين الرصيد الرياضي والرأسمال السياسي.

منصب رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، لما يمثله من إشراف على المنتخبات، يتطلب حداً أدنى من الحياد والابتعاد عن التدافعات الحزبية.

علاوة على أن هذا الموقع الجديد سيجعل كرة القدم المغربية موضوع ملاحظة على المستوى الدولي، حيث الاختيار واضح في عدم تسييس الكرة والرياضة عموماً.

وهنا، لا نتهم السيد لقجع بارتكاب مخالفة، وليس المقصود القول إن كل نجاح رياضي يتحول تلقائياً إلى أصوات انتخابية لحزب الأصالة والمعاصرة. فهذا استنتاج لا يمكن إثباته بهذه البساطة.

لكن من حق الرأي العام أن يسأل: هل يمكن فصل الشعبية التي راكمها الرجل من موقعه الرياضي عن حضوره السياسي الجديد؟

وهل يمكن منع الانطباع بأن الموقع الرياضي قد يتحول، ولو بصورة غير مباشرة، إلى رافعة للعمل السياسي؟

هناك شبهة «تضارب أدوار»، وهناك شبهة «تداخل منافع». والشبهة ليست جريمة، لكنها قد تقود إلى مخالفات سياسية. إنها قضية تتعلق بأخلاقيات العمل والمنافسة السياسية. والرجل لم يعد محايداً، ولا يمكن النظر إليه اليوم إلا وهو يحمل قبعتين.

بصريح العبارة، إننا اليوم أمام شبهة واضحة لاستعمال ورقة كرة القدم والمنصب الجامعي في الحساب الانتخابي والسياسي.

وتصبح المسألة أكثر حساسية إذا صحت المعطيات المتداولة بشأن تحرك لقجع لاستقطاب مسؤولين في أندية رياضية إلى الحزب، أو الدفع بأسماء رياضية إلى الاستحقاقات المقبلة.

فهؤلاء ليسوا مجرد أشخاص عاديين في المجتمع. إنهم يمتلكون علاقات واسعة داخل الأندية، وشبكات من المؤيدين، وحضوراً وسط الجماهير، وامتدادات محلية يمكن أن تكون ذات قيمة انتخابية كبيرة.

وهنا لا يعود السؤال متعلقاً فقط بحق هؤلاء في ممارسة السياسة، فهذا حق لا ينازعهم فيه أحد.

السؤال هو: هل يجوز أن تتداخل شبكة العلاقات التي بناها المسؤول الرياضي بحكم موقعه في الجامعة مع شبكة العلاقات التي يحتاجها الحزب لخوض الانتخابات؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإننا نكون أمام واحدة من أخطر صور تسييس الرياضة.

أما إذا كانت الإجابة لا، فإن الحل المنطقي ليس منع المسؤول الرياضي من ممارسة السياسة، وإنما مطالبته باختيار موقع واحد.

فلا يمكن أن نطلب من الناس أن يصدقوا أن رئيس الجامعة سيظل «حَكَماً» بين مختلف الفاعلين الرياضيين، بينما هو في الوقت نفسه لاعب سياسي له مصلحة انتخابية وحزبية.

السياسة تقوم على التنافس، والرياضة، في بعدها المؤسساتي، تحتاج إلى الحياد. والخلط بين الاثنين يخلق مشكلة، حتى لو لم تقع أي مخالفة قانونية.

ليس كل ما هو قانوني بالضرورة سليماً من الناحية المؤسساتية والأخلاقية. لذلك تضع المجتمعات عدة خيارات وآليات لمعالجة هذه القضايا، من بينها قواعد تضارب المصالح وتضارب الأدوار، خصوصاً عندما تبرز شبهات حول استغلال موقع مؤسساتي لخدمة أهداف سياسية.

قد لا يكون انضمام رئيس جامعة رياضية إلى حزب سياسي ممنوعاً بشكل صريح. لكن عندما يكون هذا المسؤول على رأس مؤسسة تتعامل يومياً مع أندية ومسؤولين ومنتخبين وجماعات ترابية وفاعلين اقتصاديين، فإن معيار تضارب المصالح يجب أن يكون أكثر صرامة من مجرد البحث عن مادة قانونية تمنع أو تسمح.

من حق فوزي لقجع ممارسة السياسة، ولكن هل يحق له، أخلاقياً ومؤسساتياً، أن يمارس السياسة الحزبية من داخل موقع يُفترض فيه الحياد الرياضي؟

إذا كان فوزي لقجع قد اختار فعلاً الانتقال إلى العمل السياسي الحزبي، وإذا كان يستعد لخوض الانتخابات المقبلة، وإذا أصبح جزءاً من مشروع حزبي يسعى إلى استقطاب مرشحين وقيادات محلية، فإن الاستقالة من رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تصبح، في نظرنا، أكثر من مجرد خيار شخصي؛ إنها خطوة ضرورية لحماية صورة المؤسسة التي يرأسها.

ليس عقاباً له، وليس تشكيكاً في إنجازاته، وليس إنكاراً لما حققته كرة القدم المغربية خلال السنوات الماضية.

بل العكس تماماً. إذا كان لقجع يريد دخول السياسة، فليدخلها بكل قوته، وليتحمل مسؤوليتها أمام الناخبين.

وإذا كان يريد الاستمرار في قيادة كرة القدم المغربية، فليحتفظ بمسافة واحدة من جميع الأحزاب.

أما الجمع بين الموقعين، في لحظة انتخابية حساسة، فيضع الجامعة نفسها في منطقة رمادية لا ينبغي لمؤسسة بهذا الحجم أن توجد فيها.

فالمنتخب الوطني ملك لكل المغاربة، والجامعة ليست فرعاً لأي حزب، ومسؤولو الأندية ليسوا خزّاناً انتخابياً لأي جهة سياسية، والجماهير التي تهتف باسم المنتخب لا تصوّت بالضرورة للحزب الذي ينتمي إليه رئيس الجامعة.

لهذا، فإن الاستقالة من رئاسة الجامعة ليست خروجاً من كرة القدم. قد تكون، على العكس، الطريقة الأكثر احتراماً لكرة القدم، وللجامعة، وللمسار السياسي الذي اختاره فوزي لقجع نفسه.

وفي النهاية، يبقى السؤال معلقاً أمام لقجع، وأمام الجامعة، وأمام السلطات الرياضية: هل يمكن لرئيس الجامعة أن يصبح رجل حزب دون أن تتحول الجامعة، ولو في نظر جزء من الرأي العام، إلى ورقة في الحساب الانتخابي؟

إذا كان الجواب بالنفي، فالحل واضح: السياسة للقجع… والجامعة وكرة القدم للمغاربة جميعاً.

شاركها.

التعليقات مغلقة.