بقلم: جمال الدين ريان
تخرج علينا القيادات الاتحادية بين الفينة والأخرى بخطابات رنانة تُدافع فيها عن حقوق مغاربة العالم، وتُطالب بتمكينهم من التمثيلية المباشرة داخل المؤسسة التشريعية، مستندة إلى أرقام الـ6 ملايين مهاجر، ومتغنية بـ”المواطنة الكاملة”. آخر هذه الخرجات ما جاء على لسان فدوى الرجواني، عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتي حملت “الأغلبية” مسؤولية إسقاط مقترح حزبها لتمكين الجالية من ولوج البرلمان.
لكن، وبقراءة نقديّة بسيطة للذاكرة السياسية الوطنية، يتضح أن هذا الخطاب يُعاني من “إنفصام سياسي” واضح، ويطرح أسئلة حارقة حول مدى جديّة الحزب في الترافع عن هذه القضية عندما كان يمتلك سلطة القرار والتدبير، وليس فقط ميكروفونات المعارضة.
1. عقود من مسك الحقيبة الوزارية.. فماذا تحقّق؟
يسعى الحزب اليوم إلى تصوير قضية التمثيلية البرلمانية للجالية وكأنها وليدة اللحظة أو معركة يخوضها بمفرده ضد جدار الأغلبية، متناسيًا أنه هو نفسه من وضع يده على ملف المهاجرين المغاربة لسنوات طويلة من داخل الحكومة.
إن التاريخ السياسي لا يرحم؛ فحزب الاتحاد الاشتراكي ليس غريبًا عن هذا الملف، بل تولى مسؤولية وزارة المكلفة بالجالية المغربية المقيمة بالخارج عبر ثلاثة وزراء متعاقبين:
* نزهة الشقروني
* محمد عامر
* عبد الكريم بنعتيق
وهنا يطرح السؤال نفسه بحدة:
* ماذا قدم هؤلاء الوزراء طيلة فترات انتدابهم للدفتر التنفيذي لترجمة المقتضيات الدستورية إلى واقع تشريعي؟
* كيف لحزب أُسندت إليه الحقيبة الوزارية المعنية بالملف لمستويات حكومية متعاقبة، أن يكتفي اليوم بالشكوى والمظلومية، بعدما عجز -أو تقاعس- عن تحويل هذا المطلب إلى مشروع قانون حكومي يفرض نفسه على الأغلبية التي كان جزءاً أصيلاً منها؟
2. غياب الصوت عند هندسة القوانين الانتخابية
إن أزمة التمثيلية السياسية لمغاربة العالم لم تكن يوماً أزمة نص دستوري، بقدر ما كانت أزمة إرادة سياسية لدى الأحزاب المشاركة في الحكومة.
خلال محطات تعديل القوانين التنظيمية المتعلقة بالانتخابات ومجلس النواب (سواء في محطة 2011، 2016، أو 2021)، خاضت الأحزاب السياسية، بما فيها الاتحاد الاشتراكي، مفاوضات عسيرة وشريسة حول:
* القاسم الانتخابي.
* اللوائح الوطنية والمحلية وتوزيع المقاعد.
* طريقة دعم الأحزاب والتمويل.
في كل هذه المفاوضات الحسابية، أين كانت قضية مغاربة العالم في جدول أعمال الحزب؟
لماذا لم يظهَر هذا الحماس التشريعي، ولم تُجعل تمثيلية الجالية “خطاً أحمر” أو شرطاً أساسياً للتوافق حول القوانين الانتخابية حينما كان الحزب يجلس حول طاولة التوافقات القبلية مع وزارة الداخلية وباقي الفرقاء؟
3. المزايدة الموسمية واستغلال ملف الجالية
من السهل جداً على أي حزب سياسي تموقع في المعارضة أن يرفع سقف المطالب، ويقدم مقترحات قوانين يعلم يقيناً أنها ستصطدم بالرفض الشكلي أو المالي، ليستخدمها لاحقاً كـ “قميص عثمان” في الندوات الفكرية والاستحقاقات الانتخابية.
إن الحديث عن “استيعاب الأجيال الجديدة” و”استثمار الكفاءات” لا ينبغي أن يظل مجرد إنشاء سياسي يُعاد تدويره في فصل الصيف أو قبيل الانتخابات. المغاربة المقيمون بالخارج لا يحتاجون إلى ندوات تُعيد التذكير بمشاكلهم، بل كان يرجون أفعالاً إجرائية يوم كان الحزب في موقع السلطة ومشاركاً في صياغة القرار التنموي والسياسي.
خلاصة
إن رفع ملف تمثيلية مغاربة العالم في البرلمان من طرف الاتحاد الاشتراكي اليوم هو حق أريد به باطل المزايدة؛ فمن كان يمتلك الحقيبة الوزارية، والفرق البرلمانية، والوزن السياسي داخل التحالفات الحكومية المتعاقبة، لا يحق له اليوم أن يرتدي ثوب الضحية.
المطلوب أولاً هو تقديم حصيلتكم الحكومية بخصوص هذا الملف بشفافية، وتوضيح أسباب الفشل في فرض هذا المطلب عندما كانت القوانين تُطبخ في مكاتب الأغلبية، قبل إعطاء الدروس في المواطنة والتمثيلية السياسية.


