بقلم: حسن حمورو
تُعد الديمقراطية الداخلية أحد أهم المعايير المعتمدة في تقييم مدى حداثة الأحزاب السياسية وقدرتها على تأطير المواطنين وتدبير التعددية الفكرية والتنظيمية داخل هياكلها.
الا أن الممارسة الحزبية في المغرب، وربما في جميع الدول، تكشف أحيانا عن مفارقة تتمثل في وجود فجوة، بين المبادئ المعلنة والواقع التنظيمي، حيث تتحول آليات الديمقراطية ذاتها إلى وسائل لإعادة إنتاج موازين القوى الداخلية ومعاقبة الأصوات المخالفة.
ويمكن توصيف هذه الظاهرة بما يشبه “الانتقام الديمقراطي”، أي استخدام الوسائل والإجراءات المشروعة تنظيميا، لإقصاء أو تهميش مناضلين بسبب مواقفهم النقدية، أو رفضهم الانخراط في شبكات الولاء والاصطفاف الداخلي.
من الناحية النظرية، يُفترض أن تشكل الأحزاب فضاءات للتداول الحر للأفكار وتدبير الاختلاف عبر المؤسسات والقواعد الديمقراطية، لكن العديد من التنظيمات السياسية تعرف بروز ما يمكن تسميته بـ”الأوليغارشية الحزبية”، حيث تميل النخب القيادية إلى احتكار القرار وتوجيه مسارات التنظيم بما يحافظ على توازنات معينة، وفي هذا السياق، يصبح النقد الداخلي، بدل أن يُنظر إليه باعتباره مساهمة في تطوير الأداء وتصحيح الاختلالات، سلوكا يهدد استقرار البنية القيادية أو يربك حساباتها السياسية، حسب تقديرها.
ويأخذ الانتقام الديمقراطي أشكالا متعددة، نادرا ما تكون مباشرة أو معلنة، فغالبا لا يتم اللجوء إلى العقوبات التأديبية الصريحة، بل إلى آليات أكثر نعومة وفعالية، من قبيل استبعاد بعض الأسماء من المسؤوليات التنظيمية، أو حرمانها من فرص الترشح للانتخابات، أو تقليص حضورها داخل أجهزة القرار والتأثير، وتتم هذه الإجراءات في الغالب تحت غطاء احترام المساطر الديمقراطية ونتائج التصويت أو مقتضيات التوافقات الداخلية، مما يجعل عملية الإقصاء تبدو وكأنها نتيجة طبيعية للمنافسة التنظيمية، بينما تعكس في جوهرها إرادة لمعاقبة مواقف معينة.
وتتفاقم هذه الظاهرة عندما تصبح ثقافة الانضباط الحزبي مفهوما عاما يُستخدم لتقييد حرية التعبير داخل التنظيم، فالتمييز بين الانضباط الضروري لضمان وحدة العمل السياسي، وبين الخضوع غير المشروط للقيادة يصبح ضبابيا، وفي هذه الحالة، يتحول الاختلاف من حق تنظيمي مشروع، إلى مؤشر على عدم الانسجام أو الإخلال بالالتزامات الجماعية، وهي أوصاف غالبا ما تُوظف لتبرير التهميش دون الحاجة إلى مواجهة الأفكار المطروحة من قبل المنتقدين.
كما يرتبط الانتقام الديمقراطي ببنية العلاقات “غير الرسمية” داخل الأحزاب، فإلى جانب المؤسسات والقوانين، تنشأ شبكات نفوذ وتحالفات ومراكز تأثير تلعب دورا حاسما في توزيع الفرص والمسؤوليات، ومن ثم، فإن المناضل الذي يفتقد إلى سند داخل هذه الشبكات، أو الذي يرفض منطق الاصطفاف، يجد نفسه في وضعية “هشاشة تنظيمية” مهما كانت كفاءته أو رصيده النضالي، وهنا تتراجع معايير الاستحقاق والكفاءة والنضالية، لصالح اعتبارات الولاء والتموقع داخل الخريطة الداخلية للتنظيم.
وتتمثل إحدى أخطر نتائج هذه الظاهرة في إضعاف وظيفة النقد الذاتي داخل الأحزاب، لأنه عندما يدرك المناضلون أن التعبير عن مواقف مخالفة، قد ينعكس سلبا على مسارهم التنظيمي أو الانتخابي، تتعزز نزعات الصمت والمجاملة، وتفقد المؤسسات الحزبية جزءا من قدرتها على مراجعة اختياراتها وتصحيح أخطائها، وبدل أن تنتج النخب السياسية من خلال التنافس الحر بين الأفكار والكفاءات، تصبح عملية الصعود التنظيمي مرتبطة بمدى الالتزام بقواعد غير مكتوبة تحكم التوازنات الداخلية.
ومن منظور أوسع، فإن استمرار هذه الممارسات لا يؤثر فقط على جودة الحياة الديمقراطية داخل الأحزاب، بل ينعكس أيضا على مستوى الثقة في العمل السياسي برمته، فالأحزاب التي تعجز عن إدارة الاختلاف داخل هياكلها تجد صعوبة في إقناع المجتمع بقدرتها على تدبير التعددية على المستوى الوطني.
ومع تكرار حالات التهميش والإقصاء تجنح العديد من الكفاءات إلى الانسحاب من الفعل الحزبي، أو تتبنى مواقف سلبية تجاه المؤسسات السياسية بشكل عام.
إن الديمقراطية الحزبية لا تتجلى في وجود مساطر وقوانين ومؤسسات داخلية، بل تدل عليها قدرة التنظيم على حماية حق أعضائه في الاختلاف دون خوف من العقاب السياسي أو التنظيمي، والأحزاب القوية تستوعب النقد وتعتبره موردا للإصلاح والتجديد، لا تهديدا يجب تحييده، لذلك فإن تجاوز ظاهرة الانتقام الديمقراطي ورفض التطبيع معها، يقتضيان ترسيخ ثقافة تنظيمية تجعل من التعددية الداخلية قيمة مضافة، ومن الكفاءة النضالية والاستحقاق، معيارين أساسيين في إسناد المسؤوليات، بما يضمن التوازن بين وحدة التنظيم، وحق أعضائه في التعبير الحر والمسؤول عن آرائهم ومواقفهم.


