أعادت أحداث الهجرة الأخيرة في سبتة المحتلة قضية المدينتين المغربيتين المحتلتين، سبتة ومليلية، إلى واجهة النقاش، بعدما تحولت صور آلاف الأشخاص وهم يحاولون الوصول إلى سبتة إلى مادة حظيت بتغطية واسعة من وسائل الإعلام الدولية. وأعادت معها تسليط الضوء على واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية.
ومن منظور أول، اعتبر متابعون أن المشاهد التي رافقت تدفق أعداد كبيرة من الأشخاص نحو سبتة قد تضر بصورة المغرب. خصوصا في ظل سعي المملكة إلى تقديم نفسها باعتبارها بلدا مستقرا وآمنا، وقادرا على استقطاب الاستثمارات الأجنبية. فضلا عن استعداداته لاحتضان استحقاقات دولية كبرى، من بينها كأس العالم لكرة القدم.
كما تذهب هذه القراءة إلى أن مشاهد الفوضى والتدافع على الحدود قد تعطي انطباعا مغايرا للصورة التي تحاول الرباط ترسيخها خارجيا. خاصة أن ملف الهجرة أصبح في السنوات الأخيرة أحد أبرز عناصر التعاون المغربي الأوروبي. وأحد الملفات التي تراهن من خلالها المملكة على إبراز دورها كشريك أساسي في ضبط الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية.
لكن قراءة أخرى ترى أن الأزمة حملت في المقابل فرصة سياسية للمغرب، تمثلت في عودة سبتة ومليلية إلى النقاش الدولي. بعدما ظلت قضية المدينتين لسنوات طويلة محصورة إلى حد كبير في الإطار الثنائي المغربي الإسباني، أو مرتبطة بنقاشات سياسية وإعلامية محدودة داخل البلدين.
خرجات متعددة لوزير العدل المغربي
ويبدو أن الرباط حاولت بالفعل استثمار هذا الاهتمام الإعلامي لتذكير الرأي العام الدولي بأن قضية المدينتين لم تغب عن أجندتها. وبرز ذلك بشكل خاص من خلال تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي تحدث في أكثر من مناسبة لوسائل إعلام دولية عن استمرار المغرب في المطالبة بسبتة ومليلية. وعن رغبته في فتح حوار مع إسبانيا بشأن مستقبل المدينتين.
كما لم يقتصر الأمر على التصريحات الموجهة إلى الإعلام الدولي. إذ عاد وهبي في حوار مع القناة الثانية المغربية “دوزيم” إلى التأكيد على الموقف نفسه. مشددا على أن المغرب لا يزال يعتبر المدينتين جزءا من قضيته الوطنية. وأن الحوار مع مدريد يظل الطريق الذي ينبغي سلوكه لمعالجة هذا الملف.
هذه التصريحات لم تمر من دون رد إسباني. إذ سارعت مدريد إلى التأكيد على رفضها المطالب المغربية المتعلقة بسبتة ومليلية. وجاءت الردود من مسؤولين إسبان، من بينهم وزيرة الدفاع، خلال الأسبوع الماضي. قبل أن تؤكد وزارة الخارجية الإسبانية بدورها موقف مدريد الرافض لأي تغيير في وضع المدينتين.
ومن الناحية السياسية، لا يبدو أن المغرب حقق، في الوقت الحالي، اختراقا في موقف إسبانيا، التي تتمسك بسيادتها على سبتة ومليلية وترفض فتح نقاش بشأن نقل السيادة عليهما. غير أن المكسب المحتمل للرباط قد يكون في مكان آخر، وتحديدا في إعادة القضية إلى دائرة الاهتمام خارج حدود النقاش المغربي الإسباني التقليدي.
كما أم تناول وسائل إعلام دولية لمواقف الرباط ومدريد بشأن المدينتين، حتى في سياق أزمة الهجرة. يمنح المغرب فرصة لإعادة تعريف القضية أمام جمهور أوسع. ويجعل اسم سبتة ومليلية حاضرا في نقاش دولي قد لا يكون جزء كبير من متابعيه على دراية بالخلفية التاريخية والسياسية للنزاع حول المدينتين.
ويرى ملاحظون إن أزمة سبتة حملت وجهين متناقضين بالنسبة للمغرب، فالأول يتمثل في صور الهجرة الجماعية التي قد تضر بصورة بلد يسعى إلى تقديم نفسه كشريك مستقر وموثوق. والثاني يتمثل في الاهتمام الدولي الذي أعاد قضية سبتة ومليلية إلى الواجهة. وبينما لم تُبد مدريد أي استعداد لتغيير موقفها، فإن مجرد عودة الملف إلى النقاش الإعلامي الدولي قد تشكل، بالنسبة للرباط، مكسبا سياسيا وإعلاميا يمكن البناء عليه مستقبلا.








