بقلم: عبد الدين حمروش
الإسبان يمزقون العلم المغربي. المشهد لا يكاد يحدث إلا في دول العالم الثالث، بسبب قلة منسوب الاحترام الحضاري، والإحساس بالعلو إزاء باقي الشعوب والأمم (وبخاصة التي تتوهم أنها في مرتبة أدنى). بدون زيادة أو نقصان، لنقل إن نعمة الديمقراطية في إسبانيا طارئة. الواقع هو هذا. وخيرا، فعل المغاربة، إذ لم يردوا على استفزاز باستفزاز من جنسه.
مازالت “ملحمة” سبتة تثير الأسئلة لدى الجيران الشماليين، وبكثير من الانفعال والتشنح حد العنف. كيف وقع ما وقع؟ من الذي سمح به؟ من الذي تواطأ على تمريره؟ المغرب، الذي انخدشت صورته، تلك التي ظل يسوقها كبلد صاعد، يستعد لتنظيم كأس العالم، يمكن الزعم بأنه أدى الفاتورة غاليا من سمعته. دونالد ترامب، الذي لا يترك سانحة لتقطير الشمع على إسبانيا سانشيز، لا يجد إلا صديقه المغرب، ليأخذه مثالا عن الشعب المتخلف، الذي يسعى إلى غزو الحضارة الغربية. وهو يوبخ الإسبان، من حيث يدري أو لا يدري، إنما يسيء إلى أصدقائه المغاربة. يا لها من مفارقة!
بعد أن حدثت واقعة سبتة، وبغض النظر عن أسبابها وتواطؤاتها، يمكن لكل طرف أن يحصي أرباحه وخسائره، المترتبة عنها. بالنسبة إلى المغرب، وكأن الألسنة فيه تستعيد مقولة “رب ضارة نافعة”. باستثناء ما أصاب غلاف الصورة من خدوش، وتكلفة المواطنين الضحايا (رحمهم الله)، المغرب أحيا قضية استرجاع سبتة ومليلية بقوة، بل وجعل معها الإسبان استعماريين، يصرون على الاحتفاظ بآخر المستعمرات في إفريقيا. ولعل التناقض الذي أضحى يقضهم، ويقض حكومتهم، هو: كيف تساندون قوى التحرير في فلسطين مثلا، ثم تسكتون عن احتلال أراضي الغير؟! هذه هي المفارقة الثانية!
المغرب الرسمي يبدو مرتاحا الآن. كيف لا يكون كذلك، ولم يكتب له أن حاز أي “ورقة توبيخ” من الاتحاد الأوروبي، نظير ما حازه خلال هجرة 2021 الجماعية. بالعكس، الإسبان هم الذين يشعرون أنهم في ورطة. ردود أفعالهم تعبر عن ذلك. من شأنهم أن يعتبروا أن أمنهم قد ضرب في الصميم. ولذلك، فالتحدي لم يعد مجرد هجرة، بل عاد غزوا واعتداء. من الطبيعي، وحالتهم كما قد أحسوها و وصفوها، أن يعتريهم التشنج، ويأخذهم الاحتجاج، ويستدعيهم التاريخ إلى موروثات الحقد والكراهية إزاء”المورو”، ومن ثم إحراق العلم الوطني.
ليس بأيدي المغرب إلا إبداء التعاون، بحسن نية أم بسوئها، رأفة بحكومة سانشيز التي تكالب عليها حلفاؤها قبل أعدائها. حال لسان المغرب يقول بالمباشر: إن دخل الآلاف من المهاجرين، فالاستعداد لدينا لن ينقطع، لتسهيل عودة غالبيتهم الغالبة، وفق ترتيبات معينة (حسب المحكمة الإسبانية العليا نفسها، إضافة إلى قوانين الاتحاد الأوروبي ذات الصلة بالهجرة واللجوء). ماذا تنتظرون؟ أكثر من هذا التفهم، وبالتالى التعاون؟
الاستخبارات تبرىء المغرب، في حين تجرمه الشرطة. إسبانيا حائرة، ولذلك فهي غاضبة. الوضع صعب بالنسبة إليها. ماذا تعمل؟ ومع ذلك، ولو طارت معزة، يرى معظم الإسبان أن : للمغرب يدا في ما حصل قريبا من الفنيدق! ولو حتى مع الاعتراف بصعوبة تفسير ما حدث. المهم المفيد من كل هذا، أن الرسالة المغربية وصلت إلى سانشيز، الذي سعى إلى أن يلعب مع جاره الجنوبي “الآخر”، في الوقت الميت من عمر ائتلافه الحكومي. وأبعد منه، الرسالة تعدت إلى اليميني الشعبي، السيد ڤيخو، المتأهب لتولي سدة الحكم، في غضون أشهر قليلة قادمة.
الأراضي المحتلة هي أرض للمغاربة. وفي الوطن، الجميع ينتظرون جلاء الاحتلال عن قطعة من بلادهم، بشكل متفاهم عليه مع الإسبان. تماما، مثلما ينتظرون هم جلاء البريطانيين عن صخرة طارق. بحق ربك، هل تجوز المعادلة، التي يوهم بها الإيبيريون أنفسهم، في هذا الإطار: حلال علينا، حرام عليهم؟! لعلها المفارقة الثالثة!
أعتقد أن المغرب ربح استراتيجيا من موقعة سبتة الأخيرة، بغض النظر عن المشاركة فيها من عدمها. كما من المؤكد أنه غدا لاعبا إقليميا في الحوض الغربي للبحر المتوسط، وفي مضيق من أهم المضائق العالمية. ليس في هذه الخلاصة أية تطرية ذاتية، أو دغدغة عاطفية. مسار الأحداث هو الذي يقود إلى ما تم الانتهاء إليه، في انتظار ظهور معطيات، مختلفة، وتفاعلات جديدة.
أما اليوم، فليس بإمكان الطرفين إلا العودة إلى الستاتيكو القديم، الذي كان سائدا بخصوص ملف سبتة ومليلية، وباقي الجزر. وبالمناسبة، حسنا إذ فعلت الحكومة الإسبانية، بتأجيل زيارة العاهل الإسباني، فيليبي السادس، إلى سبتة. غير أن آخرين يتوقعون ألا تحصل في المدى المنظور. بالنسبة إلى المغرب، يكفي أن ينتهي تطور الأحداث عند هذا الحد. هناك قضية، اقترب أوان الحسم فيها، وهي قضية الصحراء. لا ينبغي أن تشغل العقل السياسي لدينا قضية سبتة الآن. لعل هذا ما يسعى إليه الجار الشرقي المتوثب على الحدود. خلط الأوراق، مجددا، هو ديدنه. ليس له غيره في هذه الأثناء: محاصرة المغرب جغرافيا، واقتصاديا، وأمنيا.
موقعة سبتة تبدو غحدثا “مطلوبا”..كأنه لم يكن في حسبان. نافعة جاءت في منتهاها، وإن بدت ضارة في مبتداها. ومن حسناتها المتوقعة، أن يأتي لها تأثير على مخرجات زيارة رئيس الجزائر إلى إسبانيا المرتقبة قريبا، مثلما يكون قد حصل لها تأثير على بعض مآلات زيارة سانشيز إلى المرادية. لقد كنا نسمع عن وجود أنبوب يمر، من الجزائر إلى إسبانيا، عبر مليلية المحتلة. هل هذا ممكن؟ وعن تجنيس الصحراويين بالجنسية الإسبانية. هل يستقيم هذا، من دون المساس بالسيادة المغربية على مواطنيها، مثل سيادته على أراضيه؟ مما لا شك في ذلك، المستقبل حابل بالأحداث في العلاقة مع الإسبان. أما الحقيقة التي باتت تفرض نفسها بنفسها، ومع تطور الأحداث وتسارعها، فتتمثل في أن المعادلة، القائمة على “مبدإ الحفاظ على الحدود الموروثة عن الاستعمار”، باتت آيلة إلى السقوط. ليس في ذلك ما يدعو إلى التنازل، حتى وإن اتهم المغرب بتبني خطاب توسعي، أملا في إحياء مجده الإمبراطوري بحسبهم. غير أن هذه حقيقة، وليست مجرد مفارقة، هذه المرة!








