جسركم إلى الخبر

التزمت جبهة “البوليساريو” الصمت إزاء مشروع القانون المتعلق بتسهيل حصول الصحراويين على الجنسية الإسبانية. سواء خلال مراحل مناقشته داخل البرلمان الإسباني أو عقب التصويت عليه.

ولم يصدر عن الجبهة الانفصالية، ولا عن وكالتها الرسمية، موقف معلن بشأن المشروع. رغم أن المبادرات البرلمانية الأوروبية المرتبطة بملف الصحراء المغربية غالبا ما تحظى بتفاعل سريع من جانبها.

ويأتي هذا الصمت رغم مصادقة مجلس النواب الإسباني، أمس الخميس 10 شتنبر الجاري، على مشروع القانون، بعدما حصل على تأييد 168 نائبا. مقابل 31 صوتا رافضا. و147 امتناعا عن التصويت. بما يفتح الطريق أمام انتقال المبادرة إلى مجلس الشيوخ لاستكمال مسارها التشريعي.

ويمنح النص، في حال استكمال المصادقة عليه ودخوله حيز التنفيذ، مسارا خاصا للحصول على الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين في الصحراء قبل 29 شتنبر 1977، خلال المرحلة التي كانت تسمى فترة “الإدارة الإسبانية” للمنطقة. من دون إلزامهم بالإقامة في إسبانيا وفق الشروط العادية لاكتساب الجنسية.

ولا يتعلق الأمر بمنح جماعي وتلقائي للجنسية. إذ يتعين على المعنيين تقديم طلبات فردية وإثبات استيفائهم للشروط المحددة. فيما يوسع المشروع نطاق الوثائق التي يمكن اعتمادها لإثبات الولادة في المنطقة خلال الفترة المعنية.

وتعليقا على هذا صمت “البوليزاريو” وأذرعها. يرى الخبير في الشأن الصحراوي، محمد سالم عبد الفتاح، أن “التزام جبهة البوليساريو الصمت تجاه مشروع قانون الجنسية الإسبانية يستحق فعلا التوقف عنده، بالنظر الى أن الجبهة ووسائلها الإعلامية عادة ما تسارع إلى التعليق على المبادرات البرلمانية الأوروبية التي تعتبرها مكسبا لقضية الصحراء. خصوصا أن القانون حظي بتغطية واسعة داخل إسبانيا.”

ويرى عبد الفتاح، ضمن تصريح خص به جريدة “سفيركم”، أن هذا الصمت لا يرتبط بالضرورة برفض المشروع. وإنما بحسابات سياسية مرتبطة بطبيعته القانونية والسياسية. موضحا أن “هذا الصمت يرتبط بحساب سياسي دقيق”.

واعتبر الخبير الصحراوي أن “الجبهة تدرك أن المشروع صيغ أساسا باعتباره ‘تعويضا تاريخيا’ وتسوية لوضعية قانونية مرتبطة بأشخاص ولدوا خلال الإدارة الإسبانية. وليس باعتباره اعترافا بالدولة الصحراوية أو دعما صريحا للانفصال.”

ويرى عبد الفتاح أن إعلان موقف إيجابي وصريح من جانب الجبهة قد يؤدي إلى نتائج سياسية لا تخدم خطابها. وتابع،”وبالتالي فإن الترحيب الرسمي والمبالغ فيه بالقانون قد يدفع مدريد إلى التأكيد أكثر على أن المسألة تتعلق بالجنسية ولا تحمل أي دلالة على موقفها من مستقبل الصحراء، وهو ما سيفند دعاية البوليساريو.”

ويعتقد عبد الفتاح أن “صمت البوليساريو يرتبط أيضا بالرغبة في تجنب إحراج مجموعات سياسية قريبة من الجبهة الانفصالية”. موضحا، أن “المبادرة تقودها قوى يسارية داخل الائتلاف الحكومي، وعلى رأسها ‘سومار’، بينما تحاول مدريد في الوقت نفسه الحفاظ على علاقتها مع الرباط وعلى موقفها المعلن منذ 2022 بشأن مبادرة الحكم الذاتي.”

وفي هذا السياق، يرى عبد الفتاح أن الجبهة قد تعتقد أن “الأفضل هو ترك البرلمان والحكومة الإسبانيين يتحملان وحدهما التداعيات السياسية للخطوة. بدل تحويلها إلى انتصار دعائي مباشر للجبهة يمكن أن يضعف هامش المناورة لدى داعمي الجبهة الممثلين في تحالف ‘سومار’ المشارك في الائتلاف الحكومي.”

وتابع عبد الفتاح “كما أن القانون يحمل بالنسبة للبوليساريو مفارقة سياسية. فمن جهة يمنح آلاف الصحراويين، خصوصا الموجودين في مخيمات تندوف وأوروبا، فرصة للحصول على الجنسية الإسبانية، وهو مكسب إنساني وعملي مهم. ومن جهة أخرى، فإن توسيع دائرة حاملي الجنسية الإسبانية من الصحراويين قد ينتج مستقبلا فئة مرتبطة قانونيا بإسبانيا. بما يفتح ملفات حساسة حول الحماية القنصلية. والتنقل. والحقوق الفردية. وهو مسار قد يدفع مدريد الى التدخل لحماية قاطني تندوف ازاء انتهاكات البوليساريو.”

ولفت الخبير ذاته النظر إلى أن المشروع لا يقصر الاستفادة على الصحراويين الموجودين في مخيمات تندوف أو في أوروبا. بل لا يميز بين مواقع إقامة المستفيدين. وهو ما قد يجعل توظيفه سياسيا لصالح طرف واحد أكثر تعقيدا. خصوصا أن الاستفادة منه ترتبط باستيفاء شروط قانونية محددة. وليس بالانتماء السياسي أو بالموقع الجغرافي للمستفيد.

قد يكون الصمت خيارا أكثر ملاءمة للجبهة من إصدار موقف صريح. خصوصا إذا كانت تدرك أن الاحتفاء بالمشروع وتقديمه باعتباره انتصارا لها قد يفتح نقاشا أوسع حول طبيعته. وحول ما إذا كان يحمل فعلا أي دلالة تتجاوز مسألة الجنسية.

وفي هذا السياق، يرفض عبد الفتاح قراءة صمت الجبهة باعتباره موقفا رافضا للقانون. بل يعتبر أن الأمر أقرب إلى تعامل حذر مع مبادرة تحمل مكاسب عملية، ليبدو بذلك الصمت أقرب إلى “قبول حذر ومحسوب”. موضحا أن “الجبهة الانفصالية لا تعارض مضمونه. لكنها لا تريد أيضا أن تمنحه منذ الآن حمولة سياسية تتجاوز موضوع الجنسية.”

وزاد عبد الفتاح موضحا، “قد يكون صمت البوليساريو أكثر دلالة من إصدار موقف صريح، لأنه يوحي بأن البوليساريو تفضل الاحتفاظ بالقانون كورقة قابلة للتوظيف مستقبلا. بدل استنفاد دلالته السياسية بمجرد التصويت عليه داخل مجلس النواب. في انتظار ملاحظة كيفية تطبيقه ومدى تأثيره على التوازنات الديمغرافية والاجتماعية في مخيمات تندوف.”

وبين الاستفادة القانونية المحتملة للصحراويين، والحسابات السياسية المرتبطة بالعلاقات المغربية الإسبانية، وموقع القوى اليسارية الإسبانية الداعمة للمشروع. يبدو أن “البوليساريو” اختارت حتى الآن الاحتفاظ بمسافة من القانون. فلا تعارض مضمونه بشكل صريح. ولا تحتفي به باعتباره انتصارا سياسيا.

ويبقى السؤال مفتوحا بشأن ما إذا كانت هذه الاستراتيجية ستستمر في حال استكمال المشروع لمساره داخل مجلس الشيوخ ودخوله حيز التنفيذ. أم أن طبيعة المستفيدين ونتائج تطبيق القانون ستدفع “البوليساريو” إلى تغيير موقفها وإخراج الملف من دائرة الصمت إلى دائرة التوظيف السياسي.

شاركها.

التعليقات مغلقة.