أعاد البلاغ الصادر عن وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج بشأن التطورات الأخيرة في العلاقات المغربية الإسبانية، التأكيد على ثوابت الرباط في تدبير العلاقة مع الجار الأوروبي. في وقت تتقاطع فيه الملفات الثنائية مع نقاشات سياسية ومؤسساتية داخل إسبانيا.
ووفق الكثير من المتتبعين، فالرسالة الأساسية التي حملها البلاغ تتمثل في أن “المغرب اختار، بشكل سيادي، بناء علاقة مع إسبانيا تقوم على حسن الجوار والتفاهم السياسي والشراكة الاقتصادية والتعاون الأمني”. وهي مقاربة وجدت إطارها المرجعي في الإعلان المشترك الصادر في 7 أبريل 2022.
كما شددت الخارجية، ضمن البلاغ لاصادر امس الخميس 10 شتنبر الجاري، على أن هذه المرحلة الجديدة من العلاقات تأسست على الاحترام والثقة المتبادلين والحوار الدائم، وعلى طموح مشترك لبناء شراكة تعود بالنفع على البلدين. مستحضرة النتائج التي تحققت منذ ذلك التاريخ. خصوصا في المجالين الاقتصادي والأمني، إلى جانب التعاون في ملف الهجرة.
وفي هذا السياق، يكتسب البلاغ دلالة تتجاوز الرد على سجالات ظرفية، إذ يضع المسؤولية، بشكل مباشر، على عاتق الفاعلين الإسبان. رافضا استمرار توجيه الاتهامات إلى المغرب، بخصوص عملية الهجرة إلى سبتة المحتلة يوم 30 و31 يوليوز الماض. في غياب معطيات أو وقائع تثبت ذلك.
وفي قراءة لمضمون البلاغ. يرى المحلل السياسي المتخصص في إدارة الأزمات وتدبير المخاطر، البَرَّاق شادي عبد السلام، أن البلاغ يعكس تحولا في طريقة تدبير الرباط لعلاقتها مع مدريد. ويؤشر على مرحلة جديدة عنوانها الحزم والوضوح.
وقال البَرَّاق، في تصريح لجريدة “سفيركم”، إن “القراءة الجيوسياسية لهذا البلاغ تضع معالم مرحلة جديدة عنوانها النضج والحزم وفق دينامية سياسية واضحة في التعاطي مع الشريك الإسباني. حيث يرسخ البلاغ عقيدة الدبلوماسية المغربية القائمة على الندية والوضوح والمسؤولية المتبادلة”.
كما أضاف الخبير في العلاقات الدولية أن “الرباط تتصرف من موقع القوة الإقليمية الوازنة والممسكة بمقاليد المبادرة في غرب المتوسط والعمق الأطلسي. رافضة تحويل قضاياها العادلة وملفاتها الإقليمية إلى أداة للمزايدات الانتخابية أو كبش فداء لتصفية الحسابات الحزبية داخل المشهد السياسي الإسباني”.
وأكد الخبير الأممي في إدارة الأزمات أن البلاغ “ينقل إدارة الملفات المشتركة من مستوى السجال السياسي إلى مستوى أكثر صرامة. موضحا أنه “ينقل إدارة الملفات المشتركة من السجال السياسي العابر إلى مربع التقييم الإجرائي والتعاقدي الصارم. موضحا أن حماية الاستقرار الإقليمي تتطلب إرادة تنفيذية حقيقية تتجاوز التردد التشريعي والإداري في مدريد”.
كما يرى البَرَّاق أن “الرباط تضع النخبة السياسية الإسبانية أمام مرآة مسؤوليتها التاريخية للارتقاء لمستوى الشراكة الشاملة التي نص عليها إعلان 7 أبريل 2022. مع اعتبار الأمن القومي والسيادة الترابية للمملكة المغربية. وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية. ثابتا جوهريا غير قابل للتجزئة أو المساومة”.
وفي قراءته للرسائل التي حملها البلاغ. يرى البراق أنه تضمن، في الوقت نفسه، إشارات تطمينية بشأن مستقبل العلاقة. موضحا أن “البلاغ في طياته رسائل تطمين استراتيجية عميقة تعكس حرص المملكة المغربية الراسخ على صيانة الاستقرار الإقليمي وحماية الفضاء الأورومتوسطي”.
وتابع البَرَّاق، “هذا الموقف تجلى في إعادة التذكير بالمكتسبات التاريخية لإعلان 7 أبريل 2022 كمرجعية صلبة ومستدامة. بما يؤكد أن الرباط لا تبحث عن تصعيد سياسي أو قطيعة دبلوماسية. بل تسعى لتصحيح المسار وتثبيت دعائم التحالف على قواعد التكافؤ والوضوح الشديد”.
وأشار البَرَّاق إلى أن المغرب جدد، من خلال هذا الموقف. التزامه بالتعاون في الملفات المشتركة. قائلا إن “المغرب عبر هذا الموقف التزامه المسؤول بالتعاون الميداني والوفاء الكامل بتعهداته الأمنية والإنسانية. لا سيما في إدارة ملفات الهجرة وتفعيل آليات إعادة استقبال المهاجرين غير النظاميين والقاصرين وفق المساطر القانونية”.
كما اعتبر الخبير في العلاقات الدولية أن “إبراز البلاغ لعمق العلاقات الاقتصادية والتبادل التجاري يكشف حرص المملكة على التنمية المتبادلة. مؤكدا أن المغرب يظل السند الموثوق والأمين لأمن أوروبا الجنوبي متى توفرت الإرادة السياسية والاحترام المتبادل للسيادة الوطنية والحقوق التاريخية للمملكة”.
أما في ما يتعلق بالتفاعل داخل إسبانيا مع الموقف المغربي. فيرى البَرَّاق أن المشهد السياسي والمؤسساتي الإسباني يبدو منقسما بين مقاربتين متباينتين.
واستطرد البَرَّاق موضحا، “المشهد السياسي والمؤسساتي الإسباني تجاه حزم البلاغ المغربي ينقسم إلى اتجاهين متباينين يعكسان حجم الاستقطاب الداخلي في مدريد. حيث يتغذى التوجه الشوفيني والمتطرف، المتمثل في اليمين القومي وتكتلات اليسار الراديكالي. على الخطابات الشعبوية وافتعال الأزمات العابرة للحدود”.
وزاد البَرَّاق “هذا التيار يسعى إلى توظيف ملفات الهجرة والحدود تحت قبة الكورتيس كأداة للمزايدة الانتخابية والتغطية على الإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية. متهربا من التزامات مدريد القانونية عبر إلقاء اللوم على الرباط وتحويل الشريك الجنوبي إلى شماعة لتصفية الحسابات الحزبية الضيقة”.
وفي المقابل، يرى الخبير في إدارة الأزمات أن هناك توجها آخر داخل إسبانيا يتعامل مع العلاقة مع المغرب من زاوية المصالح الاستراتيجية. موضحا أن “التوجه العقلاني والواقعي. الذي تقوده الحكومة المركزية والمؤسسات الأمنية والدوائر الاقتصادية. يتحرك بوعي استراتيجي يستوعب مركزية المملكة المغربية كصمام أمان رئيسي لمنطقة مضيق جبل طارق وشريك لا يمكن الاستغناء عنه لحفظ الاستقرار القومي لإسبانيا”.
كما شدد البَرَّاق على أن “هذا التيار يدرك أهمية التمسك بمخرجات إعلان 7 أبريل 2022. ويسعى بجدية إلى احتواء التوتر وتجاوز العقبات الإدارية والتشريعية. لبناء أفق استراتيجي مستدام يقوم على الندية السياسية والمسؤولية المتبادلة وحماية المصالح العليا المشتركة للبلدين”.
وتضع الرسائل التي حملها بلاغ وزارة الخارجية الكرة في ملعب الفاعلين الإسبان. خصوصا في ما يتعلق بقدرتهم على الفصل بين متطلبات الشراكة الاستراتيجية وبين الحسابات السياسية الداخلية. بما يسمح بالحفاظ على المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الأخيرة وتفادي العودة بالعلاقات إلى دوامة التوتر.


