تترك الخلافات المتكررة بين الوالدين آثارا قد لا تظهر دائما بشكل مباشر على نفسية الأطفال ، إذ يمكن أن ينعكس التوتر المستمر داخل الأسرة على شعوره بالأمان وسلوكه وعلاقاته وتحصيله الدراسي، بل وقد يؤثر في نظرته إلى العلاقات العاطفية مستقبلا.
وفي هذا الحوار، توضح الدكتورة عائشة طهير، الاستشارية الأسرية والنفسية في تصريح لمنبر سفيركم، كيف يستقبل الطفل الخلافات بين والديه؟وما الذي يختلف باختلاف عمره؟ وأبرز العلامات التي تكشف تأثره النفسي؟ إضافة إلى إمكانية انعكاس هذه التجربة على علاقاته عندما يكبر؟
1 – ماذا يحدث نفسيا للطفل عندما يرى الخلافات المتكررة بين والديه؟
-الطفل لا يرى خلافا بين شخصين فقط، بل يرى أن الخلاف بين أمه وأبيه يمثل تهديدا لاستقرار الأسرة كاملة.
وعندما يرى الجو متوترا والغضب حاضرا، يصبح جهازه العصبي في حالة تأهب، ويبدأ في طرح مجموعة من الأسئلة: ماذا سيحدث؟ هل سينفصل والداي؟ وهل أنا السبب؟
أما عندما يكون الخصام نادرا، لا يكون بالضرورة مشكلة حقيقية، لأنه يمثل حالة استثنائية وتمر الأمور بسلام. لكن إذا تكرر الخلاف وأصبح جزءا من روتين العائلة، فإن التوتر يصبح أيضا جزءا من البيئة التي يعيش فيها الطفل.
وبالتالي، يتعلم الطفل أن العلاقات القريبة والعلاقات الأسرية مرتبطة بالخوف والخصام وعدم الاستقرار، فتتكون لديه قناعات ومعتقدات بأن الأسرة والعلاقات الزوجية مرتبطة بالمشاكل.
والسبب في ذلك أن الطفل لا يمتلك القدرة المعرفية نفسها التي يمتلكها الكبار على تفسير المشاكل. فمفاهيمه محدودة، ولا يستطيع أن يفهم لماذا يتناقش الأب والأم بهذه الطريقة، وإنما يفسر ما يحدث وفق قدرته على الفهم.
2 – هل يتأثر الطفل حتى وإن لم يكن طرفا في الخلاف؟
– بطبيعة الحال. قد لا يكون الكلام موجها إليه بتاتا، لكنه يعيش الموقف عاطفيا. فصراخ الوالدين وغضبهما وتعابير وجهيهما الغاضبة وعدم الرضا، كلها تعطيه إحساسا بعدم الأمان داخل أسرته.
وبالتالي، قد يبدأ الطفل في التساؤل،هل أنا جزء من المشكلة؟ لذلك يمكن أن يعيش حالة من القلق الداخلي المستمر، حتى وإن لم يكن طرفا في الخلاف.
3 – هل يختلف أثر الخلافات حسب عمر الطفل؟ وما الفئة الأكثر حساسية؟
– الطفل لا تكون لديه القدرة المعرفية على تفسير الأمور تفسيرا صحيحا، وهذه القدرة تختلف من سن إلى أخرى ومن فئة عمرية إلى أخرى.
ففي مرحلة الطفولة المبكرة، لا يفهم الطفل أسباب الخلاف، لكنه يستطيع التفاعل بسرعة مع التوتر والخوف. فنجد الطفل في هذا السن يبدأ في البكاء كثيرا ويتعلق أكثر بأمه وأبيه، وفي لحظة الخلاف قد يدخل في حالة من البكاء، كما يمكن أن تظهر لديه اضطرابات في النوم، وقد تتأثر عملية تعلم المهارات التي يفترض أن يكتسبها في هذه المرحلة.
وعندما يكبر الطفل، وتحديدا في سن السادسة من عمره، تبدأ مرحلة الطفولة المتوسطة، ويبدأ الطفل في البحث عن تفسيرات لما يحدث. وفي أغلب الحالات قد يعتقد أنه جزء من السبب، فيطرح على نفسه تساؤلات بشكل تلقائي،هل أنا لا أدرس جيدا ؟ أم أنا لا أسمع الكلام؟
أما في مرحلة المراهقة، فيصبح أكثر قدرة على فهم تفاصيل الخلاف، لماذا وقع الخلاف ؟ ولماذا يوجد هذا الصراع؟ وهنا قد يدخل في صراع نفسي،هل سيكون في صف أمه أم أبيه؟ أم يستطيع الانسحاب من هذا المشكل بأكمله ولا يريد أن يتخذ موقفا؟وقد تكون ردة فعله على شكل غضب لأنه غير راض عن الوضع.
وبالتالي، لا يمكن أن نقول إن فئة عمرية معينة هي الأكثر تأثرا، لأن الأمر يرتبط بشدة الخصام وتكراره، وكذلك بطريقة التعامل مع الطفل بعد الخصام وكيفية تفسير الوالدين له هذا الخلاف والمشاكل.
لكن السنوات الأولى تكون أكثر حساسية، لأن الطفل يكون في طور تنمية مهاراته وتنظيم مشاعره وفهم العلاقات، وبالتالي فهو في طور البناء، وهذه المرحلة يجب أن يأخذها الوالدان بعين الاعتبار.
4 – هل يمكن أن يؤثر الخلاف بين الوالدين على علاقات الطفل العاطفية عندما يكبر؟
– بطبيعة الحال، يمكن أن يؤثر، خصوصا إذا كان الخصام متكررا ولم ير الطفل نماذج صحية لإدارة الخلاف.
فالخلاف موجود في في كل أسرة، ولا يمكن للأسرة أن تعيش أساسا من دون خلاف لأن هذه هي طبيعة الحياة، ولكن توجد إدارة لهذا الخلاف. ولا يمكن أن نعيش في جو متوتر وخصام دائم ومتكرر.
إذا كان التكرار والعدوانية دائمين داخل الأسرة، فمن الطبيعي أن تتشكل لدى الطفل قناعات ومعتقدات، ويصبح يرى أن هذا المشكل أسلوب حياة وأنه سيعيشه بدوره مستقبلا.
فإذا كان يرى أن الخلاف يتبعه إهانة أو ربما ضرب، ثم خصام طويل، وبعدها تتكرر المسألة، يصبح هذا النمط مألوفا لديه.
لكن لا يمكن أن نحكم على الطفل الذي عاش في هذا الجو بأنه سيصبح شخصا عدوانيا، أو أنه سيختار علاقات مؤذية، أو أنه سيتصرف بالطريقة نفسها مستقبلا.
أما إذا كانت لدى الطفل علاقة آمنة مع أحد الوالدين، رغم وجود خصام بينهم، أو كان يرى نماذج أسرية أخرى لدى عائلته أو أصدقائه تقوم على الهدوء والتفاهم، فإنه يمكن أن يلاحظ أن ما تعيشه أسرته من توتر ليس هو أسلوب الحياة أو النموذج الصحي الوحيد.
وبالتالي، يمكن أن يتشكل لديه وعي بأنماط العلاقات الصحية والعلاقات المؤذية، وهذه كلها عوامل تجعله مستقبلا يبني علاقات مختلفة عما عاشه في طفولته.
5- ما العلامات التي تكشف أن الطفل متأثر رغم أنه لا يتحدث عما يراه داخل أسرته؟
– في أغلب المواقف، سلوك الطفل هو الذي يدل على ما يعيشه داخليا،فقد نجد لديه مشاكل في النوم، وخوفا شديدا، أو ربما تعلقا بأحد الوالدين، سواء كان الأم أو الأب.
وفي بعض الأطفال تظهر علامات تسمى “نفسجسدية”، مثل آلام المعدة أو الرأس دون أسباب صحية، ويصبح الطفل أكثر انفعالا بطريقة شديدة، وقد يضرب الأطفال في المدرسة.
وهناك أطفال تصبح لديهم حساسية شديدة ويبكون حتى في المواقف التي لاتستحق البكاء ، كما يمكن أن نجد أطفالا لا يريدون اللعب كثيرا وينسحبون وينعزلون عن الأطفال الآخرين.
وإذا كان الطفل في سن التمدرس، فقد تظهر لديه مشاكل في التركيز والتحصيل الدراسي، ويمكن أيضا أن نجد لدى بعض الأطفال تبولا لا إراديا إذا لم يكن لديهم أصلا مشكل في التبول الليلي اللا إرادي.
كما تصبح عيون الطفل مفتوحة على والديه، فيبدأ في مراقبتهما والتساؤل: هل سيقع الخلاف مجددا ؟ ويلاحظ مزاجهما، ويصبح في حالة ترقب لهذا الخصام المتكرر حتى في حالات الهدوء.
وهي كلها سلوكيات يمكن أن تظهر في طريقة تعامل الطفل مع الناس، وكذلك في تحصيله الدراسي. لكن ردة الفعل لا تكون بالطريقة نفسها عند جميع الأطفال.
فقد يصبح طفل عدوانيا لأنه لا يعرف كيف يعبر عن التوتر والخوف، بينما يصبح طفل آخر أكثر خوفا وحذرا في علاقاته مع الأطفال الآخرين، وقد يصبح منسحبا ومعزولا ولا تكون لديه استجابات عاطفية، أو يظهر لديه ضعف في الدراسة.
وتكشف هذه المعطيات أن الخلافات بين الوالدين لا تنتهي بالضرورة بانتهاء الخصام، إذ قد يستمر صداها داخل الطفل من خلال سلوكه ومشاعره ونظرته إلى العلاقات. وبينما لا يعني التعرض للخلافات أن الطفل سيحمل آثارها حتما إلى مستقبله، فإن توفير بيئة أسرية أكثر أمانا، وإبعاده عن مشاهد الصراع والعدوانية، ومساعدته على فهم ما يحدث بما يتناسب مع سنه، تظل كلها عوامل أساسية لحمايته من الآثار النفسية المحتملة.
خديجة اسويس








