د. اشرف بولمقوس – باحث في القانون الدستوري و العلوم السياسية
ربما تكون أولى خلاصات انتخابات 2026 أقل ارتباطاً بمن تصدر النتائج، وأكثر ارتباطا بمن ذهب إلى صناديق الاقتراع أصلاً.
ففي انتخابات لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها38.02 في المائة، وفق المعطى الرسمي لوزارة الداخلية، وهي أدنى نسبة مشاركة في الانتخابات التشريعية منذ دستور 2011، وأقل من 42.29 في المائة المسجلة سنة 2016، ومن نحو 50 في المائة سنة 2021.
والرقم في حد ذاته يحتاج إلى قراءة هادئة، فهو لا يعني أن 38 في المائة من مجموع المغاربة الذين يحق لهم التصويت شاركوا، وإنما يمثل نسبة المصوتين من المسجلين في اللوائح الانتخابية، الذين بلغ عددهم نحو 15.8 مليون ناخب. أي أن الحديث عن المشاركة السياسية يظل مرتبطاً أيضاً بمسألة التسجيل في اللوائح، وبالفارق بين الهيئة الانتخابية المسجلة وبين مجموع المواطنين في سن التصويت.
وهنا ربما تكمن المفارقة الأولى في انتخابات 2026: إقبال انتخابي محدود، مقابل خريطة برلمانية سياسية اكثر .
فإذا كانت انتخابات 2021 قد أفرزت أغلبية ثلاثية جمعت التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، فإن انتخابات 2026 أعادت الترتيب فقط و حافظت على ثلاثي الصدارة ، لكن هذا لا يعنى انه لم يكن تصويت عقابي أو اقتناع الناخب بالحصيلة الحكومية. لانه بالمقابل عاد حزب العدالة والتنمية بقوة إلى مجلس النواب بعد أن كان قد حصل على 13 مقعداً فقط سنة 2021 ، لكن الأهم، بالنسبة إلى طبيعة البرلمان المقبل، ليس فقط من جاء في المقدمة، وإنما كيف توزعت بقية الخريطة.
لقد عاد حزب العدالة والتنمية إلى البرلمان بكتلة انتخابية لا يمكن تجاهلها، كما تمكن تحالف اليسار من الحصول على ثمانية مقاعد. وقد يبدو الرقم الأخير محدوداً إذا قورن بالأحزاب الكبرى، لكنه يحمل دلالة سياسية تتجاوز حجمه العددي، لأنه يعيد إلى المؤسسة التشريعية صوتاً يسارياً غالبا ما يكون نوعيا .
ومن هنا يمكن أن نقرأ انتخابات 2026، سياسياً، باعتبارها انتخابات لم تصوت فقط على من سيحكم، وإنما صوتت أيضاً، بدرجات مختلفة، على من سيعارض، اذا افترضنا طبعا عدم قبول العدالة و التنمية بدخول التحالف الحكومي ( و هذا مفترض و مهم سياسيا للحزب ) و طبعا تحالف اليسار الذي يرفض أي مشاركة في الحكومة الا بشروط سياسية و دستورية يصعب تحققها الان .وهذه ربما إحدى أهم خلاصات هذه الانتخابات.
فالعدالة والتنمية، الذي خرج من انتخابات 2021 بتمثيل هزيل، عاد إلى البرلمان بكتلة من 54 نائباً، فيما وجد اليسار، من خلال تحالفه، موطئ قدم داخل المؤسسة التشريعية. وبذلك أصبح من الممكن أن تتشكل، إلى جانب الأغلبية الحكومية المقبلة، معارضة ذات حضور سياسي أوضح من المعارضة التي أفرزتها الخريطة السابقة.
ولا يتعلق الأمر هنا بتفضيل تيار سياسي على آخر، وإنما بوظيفة البرلمان نفسه. فالديمقراطية البرلمانية لا تقوم على وجود أغلبية فقط، وإنما تحتاج أيضاً إلى معارضة قادرة على المراقبة والمساءلة وتقديم البدائل. وحين يكون الاختلاف السياسي حاضراً داخل المؤسسة التشريعية، يصبح البرلمان أقرب إلى وظيفته الأصلية: فضاءً لتعارض البرامج والتصورات والمصالح، لا مجرد فضاء لتجميع الأصوات اللازمة لتكوين الحكومة او فضاء من أصحاب المصالح و التقنين حتى كدنا ننسى ان الأصل في المؤسسة التشريعية سياسي .
لكن هذه القراءة الإيجابية للتعدد السياسي لا تمنع من تسجيل وجه آخر للخريطة الجديدة، يتمثل في استمرار، بل وربما تجدد، ظاهرة البلقنة الحزبية،فكلما اتسعت دائرة التمثيل البرلماني وتوزعت المقاعد بين عدد أكبر من الأحزاب، أصبح تشكيل أغلبية منسجمة سياسياً أكثر تعقيداً، وتحولت التحالفات إلى ضرورة تتجاوز مجرد جمع الأغلبية العددية. ويرتبط النقاش حول هذه التجزئة أيضاً بطريقة احتساب المقاعد، ولا سيما القاسم الانتخابي المعتمد على أساس المسجلين، والذي كان منذ اعتماده موضوعاً لنقاش سياسي وأكاديمي حول أثره في توزيع المقاعد وتشجيع تمثيل عدد أكبر من الأحزاب. لكن اختزال ظاهرة البلقنة في القاسم الانتخابي وحده سيكون تبسيطاً، لأن التجزئة الحزبية ترتبط كذلك بطبيعة النظام الحزبي، وتعدد العرض السياسي، والتوزيع الجغرافي للأصوات، وطريقة بناء التحالفات.
لكن كل هذا لا يلغي السؤال الأكبر الذي ستفرضه النتائج: كيف سيفعل الفصل 47 أمام هذه النتائج؟
الفصل 47 واضح في مقتضاه الأساسي: «يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها».
والذي يميز انتخابات 2026 أن الحزب المتصدر، هو حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تشتغل قيادته في إطار قيادة جماعية، وليس في إطار زعيم حزبي واحد بالمعنى التقليدي. وهنا تظهر مسألة لم تطرح بهذه الصيغة في الاستحقاقات السابقة بعد دستور 2011.
فمن هو «المسؤول الأول» داخل حزب ؟ فإذا استحضرنا تطور الممارسة منذ دستور 2011 ، ففي انتخابات 2011 تصدر العدالة والتنمية وعُين أمينه العام عبد الإله بنكيران رئيساً للحكومة، وفي 2016 تصدر الحزب نفسه الانتخابات مرة أخرى، ثم أدى تعثر تشكيل الحكومة ( واقعة البلوكاج ) إلى إعفاء بنكيران وتكليف سعد الدين العثماني، الرجل الثاني في الحزب، بتشكيل الحكومة، وقد شكلت هذه الواقعة آنذاك أحد أهم الاختبارات العملية للفصل 47 وفتحت نقاشاً واسعاً حول حدود النص وتأويله.
ومن هنا تبرز أسئلة 2026، لا باعتبارها أجوبة جاهزة، وإنما باعتبارها أسئلة دستورية وسياسية حقيقية:
هل نحن أمام نوع من العرف الدستوري الذي تكرس منذ 2011، ومفاده أن الشخصية التي تتولى القيادة السياسية الأولى للحزب المتصدر هي التي تتجه إليها مشاورات تشكيل الحكومة؟
وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن تطبيق هذا المنطق على حزب يتصدر الانتخابات بقيادة جماعية؟ هل سيُحترم هذا العرف، إن صح وصفه بالعرف؟ ثم ماذا لو لم تكن الشخصية الأولى بالحزب هي بالضرورة الشخصية التي تستطيع بناء الأغلبية البرلمانية؟
وفي انتخابات 2026 تحديداً، تطرح أسئلة أخرى أيضا، هل نحن أمام عودة للتحالف الحكومي القديم، أي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال لكن مع تغيير ترتيب الأحزاب؟ و سيجد كل منهم مبرراته للتراشق الذي كان قبل الانتخابات ، أم أن تصدر الأصالة والمعاصرة هذه المرة سيعيد ترتيب شروط التفاوض ؟ هل تعود التركيبة القديمة نفسها، ولكن برئاسة سياسية جديدة؟
ان من حسنات هذه الانتخابات، تكمن في ان البرلمان القوي ليس بالضرورة البرلمان الذي تكون فيه الأغلبية كبيرة، وإنما البرلمان الذي تكون فيه الحدود بين الأغلبية والمعارضة واضحة، وتكون فيه المعارضة قادرة على مساءلة الحكومة، وتكون فيه الحكومة قادرة على الدفاع عن خياراتها، وتكون الأحزاب مضطرة إلى تقديم ما هو أكثر من الوعود الانتخابية.
لذلك، فإن المكسب السياسي المحتمل من انتخابات 2026 لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد المقاعد التي حصل عليها هذا الحزب أو ذاك، وإنما بما إذا كانت هذه المقاعد ستعيد للبرلمان وظيفته السياسية.
أن تعود المعارضة معارضة، لا مجرد أقلية عددية. أن تعود الأغلبية أغلبية سياسية، لا مجرد تجميع للأرقام. وأن يعود البرلمان مكانا تتنافس فيه الأفكار قبل أن تتنافس فيه المواقع، لكن كل ذلك يبقى مشروطاً بما سيحدث في الأيام والأسابيع المقبلة. لأن الانتخابات تنتهي بإعلان النتائج، لكن السياسة تبدأ بعد ذلك.


