بقلم: مريم أبوري
سيغادر إيمانويل ماكرون قصر الإليزي بعد أن قضى فيه عشر سنوات كأصغر رئيس في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة؛ فقد دخله وهو يطمح كسر الثنائية التقليدية بين اليمين واليسار، ويتركه بمشهد سياسي مختلف عما كان عليه سنة 2017، عام انتخابه لأول ولاية رئاسية.
تميز حصاد ولايتيه (2017 – 2027) بتحولات جذرية على الصعيدين الداخلي والخارجي، تراوحت بين إصلاحات اقتصادية و أزمات اجتماعية.
فعلى المستوى الاقتصادي، شهدت فرنسا انخفاضا في نسبة البطالة، حيث أظهرت بيانات مكتب العمل الدولي (BIT) تراجعها من 9،5 % سنة 2017 إلى 7،1 % في مطلع 2023 على المستوى الوطني، وهو أدنى مستوى لها منذ عام 2008. و جاء هذا التراجع نتيجة لإصلاح نظام التأمين ضد البطالة، والدعم السخي المقدم للشركات، فضلا عن خطط التحفيز الحكومية الكبرى عقب جائحة كورونا. وقد عرف المؤشر استقرارا سنة 2024 بين 7.3% إلى 7.4%، ثم سجل ارتفاعا تدريجيًا بين 2025 – 2026 ليستقر في حدود 7.5% إلى 7.9%؛ الأمر الذي نسف حلم الوصول إلى نسبة 5% التي وعدت بها الحكومة.
وقد شكل إقرار رفع سن التقاعد إلى 64 عاما شرارة الاحتجاجات، لاسيما بعد تمرير القانون عبر المادة 49.3 من الدستور دون تصويت برلماني.
كما كشفت حركة( السترات الصفراء ) التي اندلعت سنة 2018، عن فجوة تنموية واقتصادية واجتماعية حادة بين المدن الكبرى من جهة، والضواحي و القرى من جهة أخرى.
و أدى اعتماد سياسة (مهما كلف الثمن) (Quoi qu’il en coûte) في حماية الشركات والموظفين أثناء أزمةكورونا، إلى تفاقم غير مسبوق في حجم الدين العام. و مما زاد الطين بلة، القرار التاريخي بحل الجمعية الوطنية، وما تبعه من صعوبة بالغة في تشكيل حكومة مستقرة.
أما على مستوى السياسة الخارجية، فقد قاد ماكرون الدعوة إلى الاستقلالية الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي في مجالي الدفاع والتكنولوجيا، في حين شهدت ولايتاه تراجعا ملحوظا للنفوذ الفرنسي التاريخي في منطقة الساحل والصحراء لصالح قوى دولية وإقليمية أخرى. وقد تحولت أزمة أوكرانيا من ورقة رابحة لماكرون في بداية ولايته الثانية إلى عبء إضافي يُغذي الاحتقان الاجتماعي الداخلي. واستغلت أحزاب اليمين المتطرف واليسار هذا التذمر لتعزيز حضورها من خلال التركيز على ملفات “الأولوية الوطنية” والقدرة الشرائية، مما أسهم مباشرة في إضعاف الكتلة البرلمانية لماكرون وزيادة التشرذم السياسي في البلاد.
مع اقتراب طي مرحلة ماكرون، ينظر الشارع الفرنسي إلى المستقبل بقلق وترقب؛ حيث تتصدر أولويات حل معضلة الغلاء و تراجع القدرة الشرائية، إلى جانب المطالبة بإعادة النظر في السياسات الضريبية وإصلاحات التقاعد. كما يتزايد قلق الفرنسيين بشأن تراجع جودة الخدمات العامة كالتعليم والصحة والسكن و توفير فرص الشغل، مما يتطلب تعزيزا أكبر لاستثمارات تعيد التوازن الاجتماعي.
يترك ماكرون خريطة سياسية متشرذمة و اقتصادا يواجه تحديات كبيرة، حيث تراجعت الأحزاب التقليدية مما فسح المجال أمام صعود قوي لليمين المتطرف واليسار الراديكالي. و يبدو الشارع الفرنسي اليوم محصورا بين خيارين : إما نموذج يساري يعتمد على فرض مزيد من الضرائب على الثروات والشركات لتمويل الإنفاق الاجتماعي، أو نموذج يميني يركز على تقليص الإنفاق الخارجي وقصر المزايا الاجتماعية على المواطنين الفرنسيين.


