جسركم إلى الخبر

بقلم: جلال المخفي

تحول منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين إلى ساحة لمواجهة دبلوماسية غير مباشرة، تجلت بوضوح في الكلمة التي ألقاها وزير الشؤون الخارجية الجزائري أحمد عطاف. وتكتسب هذه التصريحات أهمية استثنائية إذا ما وُضعت في سياق المقابلة الأخيرة التي أجراها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون الإفريقية والعربية، مع قناة فرانس 24. بين الثبات الجزائري على “أدبيات تقرير المصير”، والواقعية السياسية التي تطرحها واشنطن، والمكاسب الميدانية والدبلوماسية التي حققها المغرب، يمكن تفكيك المشهد وقراءة ما وراء العناوين ورسم آفاق الحل وسيناريوهاته الشائكة.

معركة المصطلحات

تُظهر المقارنة بين أدبيات خطاب أحمد عطاف والدينامية التي كشف عنها مسعد بولس حجم التباين الاستراتيجي في إدارة الملف؛ ففي الوقت الذي حاول فيه الوزير الجزائري حصر النزاع في بعده الثنائي التقليدي بين المغرب وجبهة البوليساريو للتملص من صفة “الطرف المباشر”، نسفت تصريحات بولس هذه المناورة بكشفه عن كواليس ثلاث جولات من المفاوضات شارك فيها وزراء خارجية المغرب والجزائر وموريتانيا. هذا الاعتراف الأمريكي يثبت أن واشنطن تتعامل مع الجزائر كلاعب إقليمي محوري لا يمكن هندسة أي حل بدونه، لكن المقاربة الأمريكية تفترق جوهريا عن الطرح الجزائري؛ إذ أكد بولس ثبات الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، مشددا على أن الحراك الدبلوماسي الحالي لا يستهدف صياغة حلول بديلة، بل يتم بالكامل على أرضية مبادرة الحكم الذاتي كخيار واقعي وحيد مطروح على الطاولة.

وقد تعمد أحمد عطاف في كلمته إلقاء اللوم على ما أسماه “سياسة الأمر الواقع والتهميش”، محذرا من أن أي محاولة لتجاوز المرجعية الأممية أو لتهميش من يصفهم بـ”أصحاب الحق، شعب الصحراء الغربية وممثله الشرعي والوحيد جبهة البوليساريو”، لن تسهم في حل النزاع. يحمل هذا التصريح قراءة أيديولوجية منفصلة تماما عن المعطيات الموضوعية على الأرض؛ إذ يتجاهل الوزير عمدا الممارسة السياسية والانتخابات التشريعية والمحلية المتتالية التي تشهدها الأقاليم الجنوبية للمغرب، والتي يسجل فيها الصحراويون أعلى نسب مشاركة على الصعيد الوطني. هذه الصناديق أفرزت ممثلين حقيقيين من أبناء القبائل المتواجدة على الأرض، والذين يرفض أغلبهم علنا وبشكل قاطع فرض “جبهة البوليساريو” كوصي وحيد بقوة السلاح والدعاية الخارجيتين من مخيمات تندوف.

إن التمسك الجزائري بتوصيف البوليساريو كممثل شرعي وحيد يصطدم بوقائع حيوية تتعدى الصراع النظري إلى عمق البنية القبلية والسياسية للصحراء. فالتركيبة السكانية والقبائل الصحراوية المستقرة داخل العيون والداخلة والسمارة تمارس سلطتها وإدارتها الذاتية من خلال مؤسسات الدولة المغربية عبر نخب محلية منتخبة ديمقراطيا.

هذا الواقع يدحض فرضية “التمثيلية الأحادية” للجبهة، ويكشف أن إصرار الجزائر على تكرار هذه المعزوفة يستهدف الحفاظ على أداة الضغط الجيوسياسي لتعطيل المبادرة المغربية، بينما الواقع يفيد بأن الاستحقاقات على الأرض قد تجاوزت منذ زمن طويل فكرة التفويض المطلق لتنظيم عسكري يفتقر للمشروعية الانتخابية الحرة.

التموضع المغربي

يتأسس الموقف الأمريكي الصلب على تراكم استراتيجي نجح المغرب في فرضه كواقع جيوسياسي غير قابل للتراجع، وهو ما يفسر طمأنينة الرباط في التعامل مع مناورات خصومها. ويتجلى هذا التمكين في الانتقال من مرحلة انتزاع الاعترافات السياسية إلى مرحلة مأسستها قانونيا ودبلوماسيا، وهو ما تُوج مؤخرا بالإعلان المشترك عن رفع مستوى التمثيلية الدبلوماسية الإسرائيلية في الرباط إلى مستوى سفارة كاملة الصلاحيات. هذا التطور لا يمثل مجرد ترقية بروتوكولية، بل يعكس تجذرا للتحالفات الاستراتيجية للمملكة، ويمنحها عمقا أمنيا وتكنولوجيا يربط الأقاليم الجنوبية بمعادلات الأمن الإقليمي والدولى، مما يحول السيطرة المغربية على الأرض من واقع عسكري إلى بيئة استثمارية وسيادية محمية دوليا ومحصنة بمشاريع تنموية عملاقة كالميناء الأطلسي للداخلة.

ولم يعد هذا الارتياح المغربي مقتصرا على تعزيز القنصليات والتمثيليات الدولية في الحواضر الصحراوية، بل بات جزءا من “الاستراتيجية الأطلسة” التي أطلقها الملك محمد السادس لربط دول الساحل بالمحيط، مما سحب البساط تنمويا وجيوسياسية من تحت المقاربة الجزائرية المبنية على العزل والحصار.

ومن هنا، يظهر خطاب عطاف في الأمم المتحدة كأنه محاولة مستمرة للدفاع عن جدار دبلوماسي آيل للسقوط بفعل التحولات الدولية الوازنة، حيث أصبحت القوى الفاعلة عالميا تنظر للمقترح المغربي للحكم الذاتي كصيغة فريدة قادرة على إنهاء النزاع مع الحفاظ على استقرار منطقة شمال إفريقيا والساحل من مخاطر البلقنة والإنفلات الأمني.

ويعكس تعاطي واشنطن مع الملف هذه النظرة البراغماتية، حيث أشار مسعد بولس في حواره إلى أن الولايات المتحدة ما زالت تنتظر رد جبهة البوليساريو على تفاصيل خطة الحكم الذاتي. وفي حقيقة الأمر، تعلم واشنطن يقينا أنها تنتظر رد الجزائر العاصمة كونها المحرك الفعلي والمتحكم المطلق في قرار الجبهة. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة النبرة العنيفة لخطاب عطاف في الأمم المتحدة كـ “رد فعل متخبط” أشبه بتخبط الديك المذبوح أمام حائط الواقعية السياسية التي فرضها المغرب، لاسيما بعد رفع التمثيلية الإسرائيلية إلى مستوى سفارة؛ وهو التحول الاستراتيجي الذي أكد عدد من المسؤولين المغاربة، مرارا، أن الجزائر كانت السبب الرئيسي فيه، برفضها المتكرر لسياسة “اليد الممدودة” ومبادرات التقارب المغربية، مضحية بالاستقرار الإقليمي ومبدية استعدادا، غير ما مرة، لجر المنطقة إلى مواجهة عسكرية لتصدير أزماتها الداخلية.

المناورات المضادة

في المقابل، تحاول الجبهة الأخرى استغلال بعض الثغرات القانونية والملفات الجانبية لمحاصرة الاندفاعة المغربية، وهو ما تبلور في مصادقة مجلس الشعب الإسباني على مشروع قانون يتيح تجنيس الصحراويين المولودين في الإقليم إبان فترة الاستعمار الإسباني. يحمل هذا التحرك التشريعي المدريدي أبعادا مزدوجة؛ فهو من جهة يمثل محاولة من قوى سياسية إسبانية للضغط على الرباط وإعادة إحياء “المسؤولية التاريخية” لمدريد، ومن جهة أخرى يمنح الأطروحة الانفصالية ورقة قانونية وإنسانية للمناورة في المحافل الأوروبية. غير أن هذا الاختراق التشريعي يبقى محاصرا بحدود الواقعية السياسية التي تتبناها الحكومة المركزية في مدريد، والتي تدرك أن مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية مع المغرب تتجاوز بكثير الرمزية السياسية لقرار البرلمان.

كما أن تفعيل مناورة التجنيس داخل البرلمان الإسباني لا يغير من جوهر الاعتراف الإسباني الرسمي بمغربية الصحراء وبمبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد وجاد، بل يعكس التجاذبات الحزبية الداخلية في مدريد ومحاولات اليمين واليسار الراديكاليين استخدام الملف كأداة للمناكفة السياسية ضد الحكومة المركزية. ويدرك المغرب جيدا كيفية الفصل بين المواقف السيادية للدول وبين التحركات العارضة للمؤسسات التشريعية، مستند إلى شبكة معقدة من المصالح المشتركة مع إسبانيا تشمل مكافحة الإرهاب، وضبط شبكات الهجرة غير النظامية، والتبادل التجاري الضخم الذي يجعل من البلدين شريكين لا غنى لأحدهما عن الآخر.

وتسعى الجزائر عبر حلفائها في الفضاء الأوروبي إلى استثمار مثل هذه القرارات القضائية والتشريعية لفرملة الدينامية المغربية، مستغلة في ذلك أيضا القرارات الصادرة عن محكمة العدل الأوروبية بشأن اتفاقيات الصيد والزراعة. لكن هذا المسار القانوني لا يستطيع حجب الحقيقة السياسية والميدانية الراهنة؛ فالشركات الأوروبية الكبرى والدول نفسها تواصل إبرام صفقات ثنائية واستثمارات مباشرة داخل الأقاليم الجنوبية، معتبرة السيادة المغربية الضامن القانوني والأمني الفعلي الوحيد لنجاح هذه المشاريع على المدى الطويل.

صمت الرباط التكتيكي

أمام هذه التطورات المتداخلة، اختارت الرباط قراءة المشهد ببرود سياسي لافت، حيث قد يبدو موقفها للوهلة الأولى “صمتا مطبقا”، لكنه في العمق صمت تكتيكي مدروس يستند إلى قوة الموقف الميداني. الدبلوماسية المغربية لا تنخرط في السجالات الإعلامية المباشرة إلا عندما تمس الثوابت السيادية، وهو ما بدا واضحا في البلاغ الأخير لوزارة الخارجية المغربية الصادر على خلفية أزمة “سبتة”؛ فالبلاغ حمل في طياته رسائل مبطنة شديدة اللهجة وموجهة إلى أكثر من طرف، معيدا التذكير بأن المقاربة المغربية للملفات الإقليمية -سواء تعلق الأمر بالهجرة أو الحدود أو التحالفات- هي حزمة واحدة لا تقبل التجزئة، وأن تدفق الاستقرار والأمن في المنطقة مرتبط ارتباطا عضويا باحترام كامل سيادة المملكة على ترابها.

ولم يكن البلاغ المغربي مجرد رد فعل تقليدي على توترات حدودية في الثغور المحتلة، بل كان بمثابة تحذير استراتيجي للعمق الأوروبي وإسبانيا على وجه الخصوص، يفيد بأن التراخي في دعم الحقوق السيادية للمغرب أو اللعب على حبال المواقف الرمادية (مثل قانون التجنيس) ستكون له كلفة أمنية باهظة على مستوى التنسيق الحدودي. هذا الأسلوب الدبلوماسي القائم على الهدوء المشروط بالنجاعة يعزز نظرية أن المغرب بات يتعامل مع محيطه بمنطق “الندية السيادية”، مستغنيا عن الصراخ الإعلامي باتخاذ قرارات عملية تؤثر مباشرة في جغرافيا المنطقة وأمنها اليومي.

ويتقاطع هذا الصمت التكتيكي للرباط مع تصريحات مسعد بولس الذي اعترف بوجود تعثر وحالة جمود في المسار التفاوضي بسبب تعنت الطرف الآخر. هذا الاعتراف الأمريكي يعفي المغرب من عبء الدخول في مهاترات، ويضع الجزائر ومعها البوليساريو في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي وواشنطن كمعرقلين لجهود السلام والحل السياسي الواقعي المستدام المستند للقرار الأممي 2797. وبذلك، يتحول الصمت المغربي إلى أداة حصاد سياسي تترك للخصوم مساحة استنزاف أوراقهم التقليدية دون جدوى.

سيناريوهات المستقبل

يتجلى المسار الأول والأكثر ترجيحا على المدى القريب في استمرار حالة الجمود الممتد وإدارة الأزمة الجيوسياسية عبر المفاوضات الهادئة دون إحداث خرق جوهري ملموس. وضمن هذا المساق، ستواصل الجزائر عبر جبهة البوليساريو المماطلة في تقديم أي ردود موضوعية على مبادرة الحكم الذاتي، مراهنة على عامل الوقت لعل المتغيرات الدولية تأتي بظروف أفضل لطرحها التقليدي المتجاوز. وفي المقابل، يستمر المغرب في تعميق سيادته التنموية والميدانية على الأرض، مستفيدا من عامل الزمن لترسيخ الوجود الدبلوماسي الدولي وتحويل الأقاليم الجنوبية إلى واقع اقتصادي دولي غير قابل للمراجعة من قبل أي قوة عالمية.

أما المسار الثاني، فيتمثل في حدوث اختراق تفاوضي مفاجئ برعاية أمريكية وأممية يدفع بالأطراف نحو التسوية النهائية الصادقة. وقد يتبلور هذا التحول نتيجة تزايد الضغوط الدولية وتفاقم الأوضاع الإنسانية والأمنية داخل مخيمات تندوف، مما قد يضطر صانع القرار الجزائري إلى القبول بالواقع والجلوس لمناقشة تفاصيل خطة الحكم الذاتي وتحويلها إلى اتفاق سياسي نهائي تحت السيادة المغربية. هذا المسار سيوفر مخرجا آمنا يضمن حقوق الساكنة تحت المظلة السيادية للمملكة وبضمانات دولية صلبة تعيد الاستقرار الكامل لمنطقة شمال إفريقيا والساحل.

وينبثق المسار الثالث كبديل تصعيدي يتجلى في نقل الصراع إلى واجهات قانونية واقتصادية وتشريعية بديلة بعد إفلاس الأطروحة سياسيا. وفي هذا السياق، ستسعى الجزائر وجبهة البوليساريو لتعويض تراجعهما الميداني من خلال تفعيل أوراق مثل قانون التجنيس الإسباني والطعون القضائية لعرقلة الاتفاقيات التجارية. ورغم أن هذا السيناريو سيطيل أمد التوتر الإقليمي ويزيد من حدة الحرب الكلامية في المحافل الدولية، إلا أنه سيبقى عاجزا عن تغيير الحقيقة الميدانية والدبلوماسية الصلبة التي فرضتها الرباط على الأرض وبدعم من القوى الكبرى.

خلاصة القول هو أنه بينما تقاوم الدبلوماسية الجزائرية في الأمم المتحدة بأسلحتها التقليدية (الأدبيات القانونية وعامل الوقت)، وتتحرك واشنطن بنفعية هادئة تسعى لإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع الجميع دون المساس بجوهر اعترافها بمغربية الصحراء، يظل المغرب الطرف الأكثر ارتياحا؛ لأنه يدرك أن عقارب الساعة تسير على وقع تنمية الأرض وتوالي الاعترافات الدولية، مما يجعل الخيارات الأخرى تضيق تدريجيا لتجعل من “الحكم الذاتي” الممر الإجباري الوحيد لأي تسوية مستقبلية.

شاركها.

التعليقات مغلقة.