أعاد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون فتح ملف التنافس حول مسارات نقل الغاز النيجيري نحو أوروبا. بعدما شكك في جدوى مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي الذي يربط نيجيريا بالمغرب عبر عدد من دول غرب إفريقيا.
وقال تبون، خلال لقائه الدوري مع ممثلي وسائل الإعلام الجزائرية، إن أي مشروع صمم ليكون بديلا لأنبوب الغاز العابر للصحراء لن ينجح لاعتبارات منطقية. قبل أن يتساءل لو مر مشروع أنبوب الغاز عبر 14 دولة عبور وكل طرف يأخذ حصته، ماذا سيتبقى من غاز لتصديره إلى أوروبا؟.
كما وصف، في حديثه عن المشروع الموازي، ما سيصل عبر مسار يمر بعدد كبير من الدول بأنه “الريح”، في مقابل تأكيده أن المشروع الذي تدفع به الجزائر اقتصادي.
ويأتي موقف تبون في وقت انتقل فيه مشروع الأنبوب الأطلسي المغربي النيجيري إلى مراحل جديدة. بعدما وقعت دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “سيدياو” في يوليوز 2026 اتفاقا حكوميا دوليا لدعم المشروع. الذي تقول المعطيات الرسمية إنه سيمر عبر 13 دولة ساحلية، مع ربط دول الساحل غير الساحلية عبر وصلات إقليمية.
تبون يسأل: ماذا سيتبقى لأوروبا؟.. ومراقبون يطرحون سؤالا معاكسا
يرى مراقبون أن السؤال الذي طرحه تبون حول كمية الغاز التي ستصل إلى أوروبا بعد استفادة دول العبور يختزل المشروع في وجهته الأوروبية. بينما يقوم التصور المعلن للأنبوب الأطلسي على فكرة أوسع، تتمثل في إنشاء سوق إقليمية للغاز والاستجابة أيضا لحاجيات الدول الإفريقية التي سيمر عبرها.
فحسب المعطيات الرسمية المغربية والنيجيرية، لا يستهدف نقل كامل الغاز إلى أوروبا، إذ تبلغ طاقته التصميمية 30 مليار متر مكعب سنويا. فيما يصل الحجم المخصص للتصدير نحو المغرب والأسواق الأوروبية إلى 15 مليار متر مكعب، بينما يستهدف الجزء الآخر دعم الأسواق الإقليمية وتوفير الغاز لتوليد الكهرباء والصناعة.
ومن هذه الزاوية، يطرح مراقبون سؤالا مقابلا: هل يفترض أن يكون الهدف من الغاز الإفريقي هو الوصول إلى أوروبا فقط. أم أن للدول الإفريقية التي يمر عبرها الأنبوب حقا في الاستفادة من موارد الطاقة والبنية التحتية الموجودة على أراضيها؟
ويعتبر متتبعون أن حصول دول العبور على الغاز أو عائدات العبور أو الاستفادة من البنية التحتية لا يمثل بالضرورة اقتطاعا من حصة أوروبا. بل يمكن أن يكون جزءا من النموذج الاقتصادي للمشروع نفسه، خصوصا أن الأنبوب يقدم باعتباره مشروعا للاندماج الطاقي والتنمية الإقليمية.
وتشير الوثائق الرسمية للمشروع إلى أنه يستهدف دعم إنتاج الكهرباء، وتسريع التصنيع. وتطوير الصناعات التي تستهلك الطاقة. وربط الموارد الطبيعية بسلاسل قيمة إقليمية، بما يجعل استفادة دول غرب إفريقيا جزءا معلنا من أهداف المشروع، وليس نتيجة جانبية له.
مشروعان ومساران.. تبون يدافع عن “الأقصر”والمغرب يراهن على “الإقليمي”
في المقابل، يدافع تبون عن أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بالنيجر والجزائر. باعتباره مشروعا إفريقيا يصل القارة بالسوق الأوروبية، مؤكدا أن نيجيريا والنيجر ستكونان من أبرز المستفيدين منه.
وتستند الحجة الجزائرية أساسا إلى قصر المسار وعدد دول العبور، إذ يبلغ طول الأنبوب العابر للصحراء نحو 4 آلاف كيلومتر، مقابل نحو 6900 كيلومتر للأنبوب الأطلسي. كما يمر الأول عبر ثلاث دول، بينما يعبر المشروع الأطلسي 13 دولة ساحلية، مع وصلات إضافية لدول الساحل.
ويرى مراقبون أن هذه المقارنة تجعل جوهر الخلاف لا يتعلق بالغاز وحده، وإنما بنموذجين مختلفين لاستثماره الجزائر تركز على الطريق الأقصر والأسرع نحو السوق الأوروبية وربطه بالبنية التحتية القائمة. بينما يقدم المغرب ونيجيريا المشروع الأطلسي باعتباره ممر طاقة إقليميا يخدم الأسواق الإفريقية ويصل في الوقت نفسه إلى المغرب وأوروبا.
وفي هذا السياق، فإن عبارة تبون ماذا سيتبقى من غاز لتصديره إلى أوروبا؟ تفتح نقاشا يتجاوز الحسابات التقنية للأنابيب إلى سؤال أوسع حول موقع إفريقيا من مواردها الطبيعية. هل تكون القارة مجرد مصدر للطاقة نحو أوروبا، أم أن مشاريع نقل الغاز يمكن أن تصبح أيضا وسيلة لتزويد الأفارقة بالطاقة وتحريك التصنيع والتنمية داخل القارة.


