جسركم إلى الخبر

بقلم: اسماعيل اكنكو (دكتور في القانون العام والعلوم السياسية -متخصص في قضية الصحراء المغربية)

تدخل قضية الصحراء المغربية مرحلة مختلفة في مسارها الأممي، ليس لأن مجلس الأمن أعلن حلا نهائيا للنزاع، وإنما لأن قواعد التفاوض نفسها تبدو في طور التحول. ويكتسب هذا التحول دلالته الأبرز مع القرار 2797 لسنة 2025، ثم مع ما تسرب من التقرير الاخير للأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش، المؤرخ في فاتح اكتوبر 2026، والذي يأتي في سياق دينامية تفاوضية جديدة أعقبت اعتماد القرار المذكور.

فمنذ وقف إطلاق النار سنة 1991، ظل تدبير النزاع مرتبطا إلى حد كبير بمسار أممي جعل من الاستفتاء إحدى آليات تحديد الوضع النهائي للمنطقة. غير أن تعقيدات هذا المسار، وما رافق تحديد الهيئة الناخبة وغيرها من القضايا من خلافات سياسية وقانونية، دفعت مجلس الأمن تدريجيا الى تبني مقاربة اكثر ارتباطا بالحل السياسي التوافقي. وشكل القرار 1754 لسنة 2007 محطة مهمة في هذا المسار، قبل أن تستقر لغة المجلس على مفاهيم من قبيل الواقعية والبراغماتية والديمومة والتوافق.

وفي هذا السياق، تطور موقع مبادرة الحكم الذاتي المغربية من مجرد مقترح قدمه المغرب سنة 2007 إلى عنصر أكثر مركزية في النقاش حول أسس التسوية. وقد جاءت صياغة القرار 2797 لتمنح هذا التطور دلالة إضافية، إذ أخذ المجلس علما بالدعم الذي تحظى به المبادرة المغربية باعتبارها أساسا لحل عادل ودائم ومقبول من الأطراف، واعتبر أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل حلا قابلا للتطبيق بدرجة كبيرة. وفي الوقت نفسه، أبقى القرار على الاشارة إلى مبدأ تقرير المصير، بما يؤكد أن التحول الجاري لا ينبغي فهمه باعتباره الغاء لهذا المبدأ، وانما باعتباره إعادة إدماجه في مسار تفاوضي يبحث عن صيغة سياسية قابلة للتنفيذ.

وتزداد أهمية هذا التحول بالنظر إلى ما يكشف عنه تقرير غوتيريش الأخير. فالمعطيات المرتبطة بالتقرير تشير إلى استئناف الاتصالات المباشرة بين الأطراف بعد سنوات من الانقطاع، وإلى انتقال النقاش من مجرد تبادل المواقف إلى مناقشة عناصر أكثر ارتباطا بتفاصيل التسوية وترتيباتها السياسية والمؤسساتية. كما يعكس التقرير الزخم الذي أحدثه القرار 2797 في العملية السياسية والجهود التي يبذلها المبعوث الشخصي للأمين العام ستافان دي ميستورا.

وهنا تكمن، في تقديري، أهم دلالة للمرحلة الجديدة: لم يعد السؤال الاممي منصبا فقط على ماهية الحل، وإنما بدأ يتجه بصورة أكبر نحو الشروط التي يمكن أن تجعل الحل ممكنا وقابلا للاستمرار. وهذا انتقال مهم في منطق التفاوض، من إدارة الخلاف بين تصورات متعارضة إلى البحث عن ارضية سياسية يمكن أن تنتج عنها تسوية.

ولا يعني ذلك أن الطريق أصبح ممهدا أمام اتفاق نهائي. فالجزائر وجبهة البوليساريو ما زالتا جزءا اساسيا من المعادلة، كما أن مواقف الأطراف بشأن طبيعة الحل النهائي لا تزال متباعدة. كذلك فإن الحديث عن ترتيبات انتقالية أو مؤسساتية أو أمنية، متى ورد في سياق المفاوضات أو التقارير، لا ينبغي أن يقرأ باعتباره اتفاقا تم اعتماده، لأن الفرق كبير بين الافكار المطروحة على طاولة التفاوض وبين التسوية النهائية.

ومن هذه الزاوية أيضا، يكتسب مستقبل بعثة المينورسو أهمية خاصة. فالقرار 2797 جدد ولايتها وأكد دورها في دعم المبعوث الشخصي لتحقيق حل سياسي مقبول من الأطراف، وهو ما يعني أن أي تحول في طبيعة العملية السياسية ستكون له انعكاسات على وظيفة البعثة وطبيعة دورها في المرحلة المقبلة.

لذلك، فان الحديث عن منعطف مجلس الأمن لا يعني أن النزاع حسم، ولا أن الحكم الذاتي أصبح بموجب القرار الأممي حلا مفروضا ونهائيا، وإنما يعني أن الإطار الذي تجري داخله المفاوضات أصبح أكثر وضوحا من السابق. فالمبادرة المغربية أصبحت تحتل موقعا متقدما داخل هذا الإطار، بينما يظل تقرير المصير جزءا من المرجعية الأممية، وأصبحت الواقعية والتوافق وقابلية التنفيذ عناصر أساسية في تقييم أي تسوية محتملة.

إن جوهر التحول، إذن، لا يكمن فقط في تغير المفردات التي يستخدمها مجلس الأمن، وانما في الانتقال التدريجي من إدارة النزاع الى إدارة شروط التسوية. وهذا هو المعنى الحقيقي لعبارة حين تتغير قواعد التفاوض.

ويبقى الاختبار الحاسم في المرحلة المقبلة هو قدرة الأطراف والمبعوث الأممي والدول المؤثرة على تحويل هذا الإطار الجديد إلى تفاوض منتج، ثم إلى اتفاق سياسي قابل للتنفيذ والاستمرار. فاذا تحقق ذلك، فقد تكون مرحلة 2025 و2026 قد شكلت بالفعل نقطة تحول في تاريخ النزاع، أما إذا استمر التباعد بين الأطراف، فقد يثبت أن تغيير قواعد التفاوض لا يكفي وحده لتغيير مالات النزاع.

وفي كلتا الحالتين، فإن التطورات الحالية تستحق أن تقرأ ليس فقط باعتبارها فصلا جديدا في قضية الصحراء، وإنما باعتبارها اختبارا لطريقة اشتغال الدبلوماسية متعددة الأطراف عندما تنتقل من تدبير نزاع طال أمده إلى محاولة بناء شروط تسوية سياسية قابلة للحياة.

 

شاركها.

التعليقات مغلقة.