بقلم: عمر لبشيريت
لم يعد في السياسة عندنا ما يُخجل إلا المعارضة. تلك المهنة القديمة التي كانت يومًا شرفًا ونضالًا، وتتطلب دراية وكفاءة، لم تكونا موجودتين في الحكومات، صارت اليوم أشبه بعيب خَلقي يُخفيه صاحبه ما استطاع، أو بمرض معدٍ يتجنب الجميع مصافحة حامله. الكل يريد “الحقيبة”، والكل يتحدث عن “المسؤولية” و”الوطن” و”المرحلة الدقيقة”، وهي في الحقيقة عبارات مهذبة تعني: أين مكتبي؟ وأين سائقي؟ وأين حقيبتي؟
الجميع يهرب من المعارضة، والجميع يريد “حقائب” الوزارة. لا أحد يريد الاحتجاج داخل قبة البرلمان، وتسجيل نقطة نظام، والصراخ على رئيس الجلسة، ورفع يده معلنًا معارضته لمشاريع القوانين.
بعد أسبوعين من اقتراع 23 شتنبر، الجميع يتفادى النطق بكلمة معارضة، الجميع يتفاداها مثلما يتفادى سارق أو “شارب” أو حامل لقطعة حشيش سيارة الشرطة ليلا. الجميع يخشى أن تلصق به هذه التهمة. أصبحت المعارضة مثل الجذام والكوليرا…
وحدهما، حزبان يتيمان فضّلا، منذ البداية، رفض “حقائب” فاطمة الزهراء المنصوري. العدالة والتنمية وتحالف اليسار قالا بشكل واضح، لا لبس فيه، إنهما “زاهدان” في الحكومة، وسوف يخاصمانها طيلة أربع سنوات، ويدافعان عن الشعب بعيدًا عن “الحقائب”.
صدقنا كلام الحملة الانتخابية، وصدقنا اختلاف البرامج، لكننا اكتشفنا أنهم اتفقوا ضدنا، لا يريدون خدمتنا بالمعارضة. كلهم متشابهون، اتفقوا على شيء واحد: الحكومة بيت واسع ويمكن أن نزيد في توسيعه، ولِمَ لا نضيف طابقًا آخر، حتى تسع الحكومة، و”حقائبها”، كل هذا التهافت.
فهل تسع الحكومة و”حقائب” الحكومة كل هذا التهافت من اليمين واليسار وشبه اليسار وشبه الوسط وشبه الأحزاب؟
قد تتسع الحكومة لكل هذه الأحزاب، لكن هل تتسع الديمقراطية لكل هذا الغياب عن المعارضة؟ المعارضة فن، وعمل شاق. وقديمًا كانت مسؤولية جسيمة تتطلب فحصًا وتحليلًا دقيقين للمعطيات والأرقام، وثقافة واسعة… وكان نجوم المعارضة أشهر من الوزراء، وكان يحبهم الشعب، ويقف مبهورًا أمام مداخلاتهم… وكانت المعارضة تخدم الشعب فعلًا.
مهلًا، كيف تهرولون نحو “الحقائب” وتتركوننا وحيدين بدون سند وبدون صوت؟ كيف تصطفون وتتدافعون أمام منزل فاطمة الزهراء المنصوري كما يتدافع الناس عند “تخفيضات نهاية الموسم”؟
الجميع يريد “قيادة” و”خدمة” الشعب، لكن لا أحد يريد الدفاع عنه في مواجهة الحكومة. من يحمينا نحن؟ ليس عيبًا أن ترغب الأحزاب في “الحكم”. فهي تُقدّم البرامج وتخوض الانتخابات لتجد طريقًا إلى تنفيذها. لكن بين السعي إلى الحكم والسعي إلى حقيبة وزارية مسافة اسمها السياسة. يقطعها الحزب عندما يفاوض على أولوياته، ويشرح تنازلاته، ويقول للناخبين ماذا سيحقق لهم من موقعه الجديد. أما حين تصبح الحقيبة هي الحجة والغاية، فلا يعود البرنامج سوى ورقة انتهت صلاحيتها بإغلاق صناديق الاقتراع.
بالأمس، فقط، كان السيد نبيل بنعبدالله يعتبر أن الكارثة هي عودة نفس الأغلبية الحكومية. لكنه، اليوم، يقول لنا إن أفكار الأصالة والمعاصرة وبرنامجه يتطابقان مع تصورات حزب التقدم والاشتراكية…!
وكان السيد أوزين يصرخ في كل التجمعات بأن “لفراقشية” تمادوا في التغول والتمدد، لكنه، وهو يغادر لقاءه مع المنصوري، يخبرنا أن الشعب كان راضيًا عن الأغلبية الحكومية السابقة.
أما إدريس لشكر، فقد أخبرنا أن الله فضح الأغلبية الحكومية السابقة، وها هو اليوم يتمنى، بكل الطرق، الالتحاق بهؤلاء الذين أغضبوا الله ففضحهم، يريد الاصطفاف مع من نعتهم بالضالين.
لن نتحدث عن حزب التجمع الوطني للأحرار، فهذا المخلوق العجيب الذي لم “يفلت” أي حكومة منذ أربعة عقود، فالمعارضة بالنسبة إليه تساوي جهنم. يصارع، و”ينبطح” و”يتمسكن” لكي يظفر بما تيسر من “حقائب” يجود بها عليه، هذه المرة، فوزي لقجع.
كيف تتركون هذا الشعب وحيدًا أعزل أمام الحكومة؟ من سيقف في الجهة المقابلة، حاملًا وعود الناخبين، ليسأل هذه الحكومة عمّا فعلته بها؟
حتى الاتحاد الدستوري وحزب عرشان تخلّيا عنا، وهربا نحو دفء الحكومة، حتى بدون “حقائب”، أو “صاكاضو” على الأقل. هربا من المعارضة ضدًّا لنا، يفضلان أن يُحسبا على الحكومة، أية حكومة. فضّلا “ريحة الشحمة في الشاقور” عوض الجلوس فوق نار كراسي المعارضة.
الجميع يريد “خدمة” الوطن، و”خدمة” المواطنين، غير أن الجميع يفضّل خدمته من داخل سيارة الوزارة، وفوق مكاتب الوزارة، وبين دواوين الوزارة، وبهاتف الوزارة. الوطن هو المعارضة أيضا، يا قوم.
عدد الراغبين في مساعدة فاطمة الزهراء المنصوري على إنقاذ البلاد يفوق عدد الوزارات، ويفوق عدد “الحقائب”. يمين ويسار وشبه يسار ووسط وشبه أحزاب، كلهم مستعدون لتحمّل المسؤولية، خصوصًا إذا كانت المسؤولية بحقيبة. إنقاذ البلاد لا يستوي إلا و”الحقيبة” في اليد. كان الله في عون فاطمة الزهراء المنصوري، فكم يسعها من الجلد والثوب لخياطة “حقيبة” لكل خدام الوطن، ولكل الراغبين في إنقاذ الوطن.
ثم من سيحاسب الحكومة إذا دخلها الجميع؟ هل نستعين بمعارضة من الخارج؟ هل نفتح باب الترشيح لمواطنين يجيدون طرح الأسئلة ولا يرغبون في أن يصبحوا وزراء بعد سماع الأجوبة؟
وحدهما، حزبان “يتيمان” بقيا خارج الوليمة: العدالة والتنمية وتحالف اليسار. لم يُغرِهما “الصولد” و”الريكلام” الذي يتهافت عليه الجميع.
يمكن خدمة الشعب والدفاع عنه من موقع المعارضة أيضًا. يستحقان التحية على ذلك. فلنشكرهما على أي حال. فلولاهما، لكانت البلاد بلا معارضة، ولكانت الحكومة تحاسب نفسها، وتصفق لنفسها، وتصوّت على قوانينها بالإجماع، في مشهد لا يتخيله حتى كاتب رواية “1984”. لولا تحالف اليسار والعدالة والتنمية، لكنا محط سخرية العالم: بلد بدون معارضة… كوريا الشمالية.


