أكدت الدكتورة شريفة لموير، المتخصصة في العلوم السياسية، أن الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الجديدة، اليوم الجمعة 9 أكتوبر الجاري، حمل رسائل واضحة بشأن أولويات المرحلة المقبلة، من خلال ربط الاعتزاز بالهوية المغربية بالمسؤولية الوطنية والإنجاز، والتأكيد على ضرورة تسريع الإصلاحات التنموية، ووضع قضايا المواطنين والشباب في صلب السياسات العمومية.
وأوضحت لموير أن تأكيد الملك محمد السادس على الاعتزاز بمختلف مكونات الهوية المغربية لا يقتصر على التعبير عن الانتماء الوطني، بل يضعه في إطار الالتزام بالعمل وتحقيق النتائج. وفي هذا السياق، استشهدت بما ورد في الخطاب الملكي: “إن الاعتزاز بالوطن هنا، ليس من أجل التباهي، والتعبير عن الرضى عن النفس؛ بل هو الحافز الذي يحول الانتماء إلى مسؤولية، والثقة إلى واجب وطني”.
واعتبرت المتخصصة في العلوم السياسية أن هذه الرسالة تحمل توجيها واضحا للفاعلين السياسيين، مفاده أن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية التي حققها المغرب ينبغي أن تواكبها معالجة الاختلالات التي ما تزال تعرقل المسار التنموي، بما يضمن الانتقال من الإنجازات المحققة إلى نتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطنين.
وفي ما يتعلق بأولويات السياسات العمومية، أبرزت لموير أن الخطاب الملكي شدد على ضرورة جعل الشباب في صلب الاهتمامات الحكومية، من خلال توفير شروط تكافؤ الفرص، وتعزيز التأهيل والإدماج الاقتصادي، بما يرسخ ثقتهم في المؤسسات وفي إمكاناتهم لتحقيق الارتقاء الاجتماعي.
ويكتسي هذا التوجه، بحسب المتحدثة ذاتها، أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى سياسات تستجيب لانتظارات الشباب وتضمن لهم الكرامة والحرية والاستقرار. وهو ما أكده الملك بقوله: “كما يتعين وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، واهتمامات هيئات الحكامة»، مع التشديد على ضرورة توفير الظروف التي تساعدهم على «بناء مستقبل أفضل، في ظل الحرية والكرامة والاستقرار”.
وعلى المستوى التنموي، سجلت لموير أن الخطاب الملكي جعل العمل الميداني مدخلا أساسيا لمعالجة التفاوتات المجالية والاستجابة للاحتياجات الفعلية للمواطنين، مؤكدة أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التصورات العامة إلى حلول واقعية تراعي خصوصيات المناطق وإكراهاتها.
وفي هذا الإطار، استحضرت تأكيد الملك أن “الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة، هو العمل الميداني، على المستوى الترابي، بالوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة، والعمل على إيجاد حلول واقعية لها”. وترى لموير أن هذا التوجه يرتبط بتفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، باعتبارهما آليتين أساسيتين لتحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار وتعزيز التنمية المندمجة.
وأضافت لموير أن الإشارة الملكية إلى استمرار التأخر والاختلالات في تنزيل اللامركزية واللاتمركز الإداري تضع الحكومة المقبلة أمام مسؤولية تسريع الإصلاحات المؤسساتية، ولا سيما نقل الاختصاصات والموارد الضرورية إلى الجهات والأقاليم، وتوضيح صلاحيات المؤسسات الترابية بما يتيح لها اتخاذ القرارات وتنفيذ المشاريع بفعالية.
وفي الشق المتعلق بالعلاقات الخارجية، توقفت لموير عند تأكيد الملك حرص المغرب على الوفاء بالتزاماته الدولية، مقابل ضرورة التزام الشركاء بالمبدأ نفسه، مشيرة إلى أن الشراكة مع إسبانيا تواجه تحديات تستدعي مراجعة آليات التعاون، خصوصا في ملف الهجرة.
وفي هذا الصدد، شدد الملك على أن الشراكة مع إسبانيا، رغم التطورات التي عرفتها في مجالات متعددة، تواجه صعوبات مرتبطة ببعض المقتضيات القانونية والقرارات القضائية. كما أكد أن التعاون بين البلدين لا يمكن أن يتحول إلى أداة للضغط، بقوله: “الشراكة هي اختيار سيادي، والتزام إرادي، ولن تكون أبدا محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز”.
واعتبرت لموير أن الموقف المغربي يعكس تمسكا باستمرار التعاون مع الشركاء الدوليين على أساس الاحترام المتبادل، مع ضرورة تجاوز الاختلالات التي كشفت عنها الأزمات المتكررة. وأشارت إلى أن تقديم المغرب وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية يمثل خطوة نحو إرساء نموذج جديد للشراكة مع إسبانيا، يستجيب للتحولات الراهنة ويعزز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
ونبهت المتخصصة في العلوم السياسية إلى أن الخطاب الملكي رسم ملامح المرحلة المقبلة من خلال الجمع بين ترسيخ المكتسبات، وتصحيح الاختلالات التنموية، وتعزيز النجاعة المؤسساتية، وتطوير الشراكات الخارجية، بما يجعل تحقيق النتائج الملموسة والاستجابة لانتظارات المواطنين معيارا أساسيا لنجاح السياسات العمومية.


