تقترح دراسة لباحثين في بنك المغرب إطلاقاً تدريجياً لعملة رقمية مكملة للنقد، وتحذّر من مخاطر انتقال الودائع البنكية والهجمات الإلكترونية.
في اقتصاد ما تزال فيه الأوراق النقدية تحتفظ بمكانة واسعة، يبرز مشروع الدرهم الرقمي بوصفه أحد الخيارات المطروحة لتحديث المدفوعات وتوسيع الاستفادة من الخدمات المالية. غير أن الانتقال إلى هذه العملة يتجاوز توفير محفظة إلكترونية، ليطرح أسئلة تتعلق بثقة المواطنين، وحماية بياناتهم، واستقرار البنوك، وقدرة البنية الرقمية على الوصول إلى مختلف فئات المجتمع.
هذه أبرز القضايا التي تناقشها دراسة بعنوان «العملة الرقمية للبنك المركزي: رهانات ودروس للمغرب»، أعدّها الباحثون في بنك المغرب شيماء شاوي وكمال لحلو ومحمد ميكو. وتستعرض الوثيقة خيارات تصميم العملة الرقمية وآثارها الاقتصادية، مستندة إلى الأدبيات البحثية والتجارب الدولية، وإلى تحليلات وتجارب تقنية مرتبطة بالسياق المغربي.
وتندرج الدراسة ضمن النقاش البحثي حول إصدار محتمل للدرهم الرقمي، ولا تمثل إعلاناً عن إطلاقه. كما توضح الوثيقة أن الآراء الواردة فيها تخص مؤلفيها ولا تعكس بالضرورة الموقف الرسمي لبنك المغرب.
الدرهم الرقمي، وفق التصور الذي تعرضه الدراسة، سيكون شكلاً رقمياً من العملة الوطنية يصدره البنك المركزي، ويستخدمه الأفراد والشركات في المعاملات اليومية. وسيكون قابلاً للتحويل إلى الدرهم بالقيمة نفسها، مع استمرار تداول الأوراق والقطع النقدية. وتكمن خصوصيته في كونه نقوداً صادرة عن البنك المركزي، وهو ما يميّزه عن العملات المشفرة وعن الأرصدة الموجودة في الحسابات البنكية.
ويحضر استمرار الاعتماد على النقد بقوة في تشخيص الوضع المغربي. فبحسب الأرقام الواردة في الدراسة، ارتفعت قيمة النقد المتداول من نحو 70 مليار درهم سنة 2001 إلى أكثر من 500 مليار درهم سنة 2025. وتعكس هذه الزيادة، وفق تحليل الباحثين، استمرار جاذبية النقد باعتباره وسيلة بسيطة وسريعة تتيح التحكم في النفقات واستلام الأموال فوراً.
ومن هنا، يرتبط نجاح الدرهم الرقمي بقدرته على توفير مزايا قريبة من النقد، مع إضافة فوائد عملية، مثل تسهيل التحويلات وتقليص كلفة المعاملات. وسيكون قبول التجار لهذه الوسيلة وسهولة استخدامها عاملين حاسمين في انتشارها.
وتضع الدراسة الشمول المالي ضمن أبرز الأهداف المحتملة للمشروع. وتشير إلى أن نسبة امتلاك الحسابات البنكية لدى الأفراد المقيمين بلغت 62 في المائة سنة 2025، مع استمرار تفاوتات في الوصول إلى الخدمات المالية. كما تورد أن نقص الأموال وارتفاع كلفة الخدمات البنكية يظلان من العوائق التي يواجهها غير المتعاملين مع البنوك.
وقد يتيح الدرهم الرقمي وسيلة أداء منخفضة التكلفة لهذه الفئات، خصوصاً إذا أمكن استخدامه دون اتصال بالإنترنت، ومن خلال أدوات متنوعة تناسب الأشخاص الذين لا يملكون هواتف ذكية. لكن الباحثين يؤكدون أن العملة الرقمية وحدها لا تكفي لمعالجة الإقصاء المالي، الذي يرتبط أيضاً بمستويات الدخل والتغطية الرقمية والثقافة المالية والثقة بالمؤسسات.
وتناقش الوثيقة كذلك إمكانية مساهمة الدرهم الرقمي في إدماج بعض الأنشطة غير الرسمية. فسهولة المدفوعات الرقمية قد تشجع هذه الأنشطة على الارتباط تدريجياً بالخدمات المالية، ضمن سياسات تشمل تبسيط الإجراءات والحوافز الاقتصادية. في المقابل، قد تحدّ المخاوف من تتبع المعاملات من الإقبال على العملة الجديدة، ما يجعل التوازن بين الخصوصية والامتثال القانوني عنصراً أساسياً في تصميمها.
أما تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، فتشكل مجالاً آخر للفوائد المحتملة. وترى الدراسة أن الربط بين أنظمة العملات الرقمية قد يساعد على تقليص عدد الوسطاء وخفض الرسوم وتسريع وصول الأموال. وتظل هذه المكاسب رهينة التعاون بين الدول والتوافق التقني والتنظيمي بين أنظمة الدفع، ولا تتحقق بمجرد إصدار عملة رقمية محلية.
وفي مقابل هذه الفرص، تبرز مخاطر انتقال الودائع من البنوك التجارية إلى الدرهم الرقمي. فإذا فضّل المودعون الاحتفاظ بأموالهم في عملة صادرة عن البنك المركزي، فقد تواجه البنوك ارتفاعاً في كلفة التمويل، بما قد ينعكس على شروط الإقراض. ويمكن أن تصبح هذه التحويلات أكثر حدة في فترات التوتر المالي، حين يسعى الأفراد إلى نقل أموالهم بسرعة إلى أصل يعتبرونه أكثر أماناً.
وللحد من هذه المخاطر، تميل الدراسة إلى تصميم مخصص أساساً للمدفوعات اليومية، لا يحمل فائدة في مرحلته الأولى، ويخضع لسقوف للحيازة والمعاملات. كما ترجّح اعتماد نموذج من مستويين، يتولى فيه بنك المغرب إصدار العملة، بينما تضطلع البنوك ومؤسسات الأداء بتوزيعها وخدمة المستخدمين وإجراء فحوص الامتثال.
وتحظى حماية البيانات والأمن الإلكتروني بأهمية مماثلة. فالمنظومة ستربط بين البنك المركزي والوسطاء الماليين ومزودي التكنولوجيا والمستخدمين، ما يستلزم تحديد المسؤوليات وتأمين المحافظ والسجلات وضمان استمرار الخدمة عند وقوع أعطال أو هجمات. ورغم أهمية الدفع دون اتصال بالإنترنت، فإنه يطرح بدوره تحديات تتعلق بالاحتيال والإنفاق المزدوج ومزامنة العمليات.
وتذكر الدراسة أن بنك المغرب طوّر، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، نموذجاً لإثبات الجدوى التقنية، اختبر وظائف تشمل الإصدار والتوزيع والمحافظ الرقمية والتحويلات بين الأفراد والتكامل مع البنية المالية القائمة. وبحسب الوثيقة، أكدت التجارب إمكانية التنفيذ التقني، مع إبراز الحاجة إلى مزيد من العمل على الأمن وحماية البيانات واستيعاب أحجام كبيرة من المعاملات. كما تشير إلى مشروع تجريبي مع البنك المركزي المصري، بدعم من البنك الدولي، لدراسة المدفوعات عبر الحدود.
وتخلص التجارب الدولية التي تستعرضها الوثيقة إلى درس واضح: إطلاق العملة الرقمية لا يضمن استخدامها. فعدد المحافظ المفتوحة وحجم العمليات التراكمي لا يكفيان لقياس النجاح، ما لم تتحول العملة إلى وسيلة مفيدة في الحياة اليومية.
وبالنسبة إلى المغرب، يبقى الاختبار الأهم هو قدرة الدرهم الرقمي على تقديم خدمة يثق بها المواطن ويقبلها التاجر وتصل إلى الفئات الأقل استفادة من النظام المالي. لذلك تدعو الدراسة إلى مسار تدريجي، يربط أي إصدار محتمل بفوائد قابلة للقياس، وإطار قانوني واضح، وضمانات لحماية الخصوصية والاستقرار المالي.


