أثار المقترح الموريتاني المتعلق بآلية لترسيم الحدود نقاشا بشأن خلفياته القانونية والسياسية، في ظل التطورات المتسارعة التي تعرفها قضية الصحراء المغربية. وما يرافقها من تفاعلات إقليمية ودولية، خاصة بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي الأخير واقتراب موعد استحقاق أممي جديد خلال الأيام المقبلة.
وأعادت هذه التطورات إلى الواجهة تساؤلات بشأن طبيعة التحركات الموريتانية وأهدافها، ومدى ارتباطها بالمصالح الأمنية والبحرية لنواكشوط. فضلا عن التأويلات التي رافقت الحديث عن منطقة الكويرة، في وقت يظل فيه التمييز بين ترسيم الحدود ومسألة السيادة من بين الجوانب الأساسية لفهم أبعاد هذا الملف.
وفي هذا السياق، قدم الفصحي مصطفى، الأستاذ الباحث في العلاقات الدولية، قراءة قانونية وسياسية للتقرير الأممي الأخير والمقترح الموريتاني. معتبرا أن الأمر يتعلق بآلية لترسيم الحدود، وليس بمطالبة بالسيادة على الكويرة، ومشددا على ضرورة استحضار الخلفيات التاريخية والقانونية للموضوع. إلى جانب المصالح الاستراتيجية لموريتانيا، وتجنب الأحكام المسبقة بشأن مواقف الأطراف المعنية.
ثلاث نقاط قانونية لفهم المقترح الموريتاني
وأوضح الفصحي مصطفى، في تصريحه لموقع “سفيركم” أن قراءته للتقرير الأممي الأخير والمقترح الموريتاني تنطلق من ثلاث نقاط قانونية أساسية. تتعلق بالتزامات موريتانيا التاريخية، وطبيعة الوجود العسكري في الكويرة، والاتفاقيات التي رسمت الحدود في شبه جزيرة الرأس الأبيض.
وفي هذا الإطار، قال المتحدث إن التقرير الأممي لا يذكر الكويرة، ولا يقدم المقترح الموريتاني باعتباره موقفا نهائيا. معتبرا أن المقترح يتعلق بآلية لترسيم الحدود، وليس بمطالبة بالسيادة على المنطقة.
واستحضر الخبير في القانون الدولي، في النقطة الأولى، تخلي موريتانيا عن مطالبها الترابية في الصحراء منذ اتفاق الجزائر سنة 1979. مؤكدا أن الدول ملزمة باحترام تعهداتها بحسن نية.
أما النقطة الثانية، فتتعلق بالوجود العسكري الموريتاني في الكويرة، حيث اعتبر المتحدث أن هذا الوجود يمثل وضعا فعليا. لكنه لا يعني اكتساب السيادة القانونية، ما دام هناك اعتراض قائم، مشددا على أن السيطرة الفعلية لا تتحول تلقائيا إلى سيادة.
وفي النقطة الثالثة، أشار الفصحي مصطفى إلى الاتفاقيات الفرنسية الإسبانية التي رسمت الحدود في شبه جزيرة الرأس الأبيض. معتبرا أنها تضع الكويرة خارج التراب الموريتاني، وأن أي ترسيم قانوني دقيق سيعيد طرح هذه الاتفاقيات وما تتضمنه من معطيات تاريخية.
أمن نواذيبو والحدود البحرية في صلب الحسابات الموريتانية
وعلى المستوى السياسي والاستراتيجي، يرى الباحث أن نواكشوط تسعى إلى حماية مصالحها قبل الوصول إلى أي تسوية نهائية. خصوصا بعد قرار مجلس الأمن الأخير والقرار المرتقب خلال الأيام المقبلة. مشيرا إلى أن أمن مدينة نواذيبو والحدود البحرية الموريتانية يأتيان في مقدمة هذه المصالح.
واعتبر الفصحي أن حماية هذه المصالح حق مشروع لأي دولة جارة لنزاع إقليمي، في إشارة إلى الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية التي قد تفسر اهتمام موريتانيا بملف الحدود. دون أن يعني ذلك، بحسب قراءته، وجود مطالبة بالسيادة على الكويرة.
وفي سياق متصل، لفت الفصحي مصطفى إلى أن اقتراب اجتماعات مجلس الأمن الدولي بشأن قضية الصحراء المغربية. يتزامن عادة مع تصاعد بعض الأصوات والمواقف هنا وهناك. معتبرا أن هذه التحركات تأتي في محاولة للتأثير على مسار تسوية القضية.
وختم الأستاذ الباحث في العلاقات الدولية تصريحه بالتأكيد على ضرورة التريث وعدم إصدار أحكام مسبقة. وتجنب تأويل بعض ردود الأفعال الصادرة عن أطراف لا تمثل الموقف الرسمي لحكومتي البلدين. داعيا إلى التعامل مع التطورات المرتبطة بالملف وفق معطياتها القانونية والسياسية. دون الخلط بين المواقف الرسمية والتصريحات أو ردود الأفعال غير الرسمية.


