بقلم: جلال المخفي
لم يكن جلوس أحمد التويزي على كرسي رئيس مجلس النواب المغربي الجديد في 13 أكتوبر 2026 مجرد حدث عابر في المشهد السياسي، بل جاء تتويجا لرحلة متعرجة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، انتقل فيها بين النقيضين؛ من أقصى اليسار المعارض إلى عمق أحزاب السلطة، مدعوما من الأغلبية الثلاثية الجديدة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري. وتكمن قوة هذا المسار في قدرة الرجل على المزاوجة بين لغة الميدان البسيطة والدهاء التنظيمي، مما مكنه من حسم معركة الرئاسة بنيله 220 صوتا من مجموع الأصوات المعبر عنها، متفوقا بفارق مريح على منافسه إدريس الأزمي الإدريسي عن حزب العدالة والتنمية الذي حصد 59 صوتا، في جلسة طبعها تسجيل 90 صوتا ملغى.
البدايات الأولى
في سبعينيات القرن الماضي، وتحديدا عام 1974، بدأ التويزي حياته المهنية كمعلم بقطاع التربية الوطنية ومدرس لمادة العلوم الطبيعية بإقليم الحوز. في تلك الحقبة، لم يكن التعليم مجرد وظيفة، بل كان مشتلا للنقابة والوعي السياسي، وهو ما دفع الشاب القادم من الهامش إلى الانخراط مبكرا في صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بقيادة عبد الله إبراهيم. ومن تلك المدرسة الجماهيرية، اكتسب التويزي لغته المباشرة البعيدة عن التكلف الأكاديمي، والتي صقلت شخصيته القيادية ومكنته من فهم نبض القواعد الشعبية، وظلت تميز خطاباته وتصريحاته المثيرة للجدل في منعرجات حياته اللاحقة.
وعاش التويزي في حضن المعارضة اليسارية لسنوات، متشربا آليات التعبئة والخطاب الجماهيري الصارم الذي واجه محطات سياسية معقدة بجرأة. هذا التكوين الأولي منحه ميزة فريدة بين أبناء جيله من السياسيين، إذ ظل قادرا على النزول إلى الشارع والحديث بلغة يفهمها البسطاء، وهو السلاح الذي سيستخدمه لاحقا لتثبيت أقدامه في المشهد الانتخابي المحلي والوطني على حد سواء، مستغلا مهارات الإقناع الخطابي التي صقلها داخل قاعات التدريس وساحات النضال النقابي.
ولم تكن فترة عمله بالتعليم مجرد مرحلة عابرة، بل أسست لشبكة علاقات واسعة مع جيل كامل من رجال التعليم والمثقفين المحليين بالمنطقة. هذا الارتباط الوثيق بالمنظومة التعليمية جعله يدرك مكامن الخلل في السياسات الاجتماعية للدولة مبكرا، وهو ما وظفه في صياغة شعاراته الانتخابية الأولى التي تمحورت حول العدالة المجالية وفك العزلة عن العالم القروي، مما جعل صورته كـ “ابن الشعب المعلم” تترسخ في أذهان فئات واسعة من ساكنة إقليم الحوز.
الترحال الحزبي
حين آثر اليسار الراديكالي المقاطعة أو تراجع بريقه الانتخابي في المنعطفات السياسية الكبرى للمملكة، اختار التويزي البراغماتية السياسية والمشاركة الميدانية كسبيل وحيد للتأثير. وقرر القفز من مركب المعارضة العقائدية ليحط الرحال أولا في حزب الاتحاد الدستوري، وهو التنظيم الذي أسسه الوزير الأول الأسبق المعطي بوعبيد واعتبر حينها أبرز تجليات أحزاب الإدارة والتقرب من دوائر القرار. وبرر التويزي هذه الخطوة الراديكالية برغبته، برفقة شباب آخرين، في دخول معترك المؤسسات، بعدما وجد أن قياداته اليسارية السابقة ترفض الانخراط في اللعبة الانتخابية المحلية وتكتفي بالبقاء في مقاعد المتفرجين.
ولم يقف طموحه عند هذا الحد، بل واصل ترحاله الحزبي نحو حزب الحركة الشعبية ذي الصبغة الأمازيغية القروية، باحثا عن بيئة تنظيمية تعزز نفوذه المحلي المتنامي في معقله بإقليم الحوز وجهة مراكش تانسيفت الحوز. وكان هذا التنقل المدروس يعكس وعيا مبكرا بأن البقاء في الساحة السياسية المغربية يتطلب المرونة والتموقع داخل أحزاب قريبة من الإدارة لتأمين الدعم والتمويل للمشاريع المحلية. واستطاع خلال هذه الفترة الوجيزة بناء قاعدة انتخابية صلبة من الأعيان والمستشارين المحليين الذين ارتبطوا بشخصه أكثر من ارتباطهم باللافتات الحزبية المتغيرة.
وقد جلب له هذا الترحال المستمر انتقادات لاذعة من خصومه الذين اتهموه بـ”الميوعة السياسية” وغياب المبدأ، غير أن التويزي كان يرى في هذا التحول ضرورة واقعية يفرضها منطق القبيلة والعلاقات الاجتماعية في منطقة الحوز. فبالنسبة له، لم تكن الأحزاب سوى وسائل للوصول إلى هدف أسمى يتمثل في السيطرة على المجالس المنتخبة وتوجيه ميزانياتها، وهو الذكاء السياسي الذي جعله يخرج منتصرا من كل محطة انتخابية بغض النظر عن الرمز الحزبي الذي يترشح باسمه.
هندسة البام
في منعرج هام عرفه المشهد الحزبي المغربي بين سنتي 2007 و2008، كان أحمد التويزي من أوائل وأبرز الوجوه السياسية التي لبت نداء مشروع “حركة لكل الديمقراطيين” الذي أطلقه فؤاد عالي الهمة، والذي تمخضت عنه ولادة حزب الأصالة والمعاصرة. وسرعان ما تحول الرجل إلى أحد الأعمدة التنظيمية البارزة لحزب الجرار في إقليم الحوز، مستفيدا من خبرته الانتخابية الميدانية وشبكة علاقاته المتشعبة لإقناع أعيان المنطقة بالالتحاق ب”الوافد الجديد” الذي جاء لإعادة ترتيب التوازنات السياسية ومواجهة الصعود المتنامي لتيار الإسلام السياسي.
وتوج هذا الصعود التنظيمي السريع بانتخابه أمينا عاما جهويا للحزب بجهة مراكش تانسيفت الحوز سنة 2011 خلفا لحميد نرجس، ليصبح بذلك الرقم الصعب والمهندس الحقيقي للخارطة السياسية بالجهة. وساهم التويزي بشكل فعال في صياغة الإستراتيجية الانتخابية للحزب محليا ووطنيا، مبرهنا على قدرة فائقة في إدارة الأزمات التنظيمية والتحكم في الخلافات الداخلية بين تيارات الحزب المتنافسة، مما جعله مقربا جدا من مراكز القرار والقيادات التاريخية والمتعاقبة للحزب.
ولم يكتف بالتنظيم الجهوي، بل نجح في تحويل إقليم الحوز إلى قلعة حصينة لحزب الأصالة والمعاصرة، محققا نتائج قياسية في المقاعد البرلمانية والجماعية طيلة المحطات الانتخابية المتعاقبة. هذا النجاح منحه وزنا داخل المكتب السياسي، وجعله بمثابة “صمام الأمان” الانتخابي في المحطات الحرجة، وهو ما أهله لاحقا لتولي رئاسة الفريق النيابي للحزب بمجلس النواب، حيث ظهرت مواهبه في الضبط البرلماني وتوجيه المستشارين والنواب بما يخدم الخط العام لقيادة الحزب.
الوفاء التنظيمي
ارتبط الصعود التنظيمي لأحمد التويزي في الرباط بعلاقة متينة جمعته بـإلياس العمري، الأمين العام الأسبق للحزب والرجل القوي في مرحلة التأسيس والتمكين؛ وهي العلاقة التي تندرج تاريخياً ضمن خانة “الوفاء التنظيمي الصلب”. فخلافا للعديد من الوجوه والقيادات التي انقلبت على العمري أو سارعت إلى التبرؤ منه بعد تواريه عن المشهد السياسي والانتخابي، ظل التويزي متمسكا بتقدير الرجل والدفاع عن إرثه السياسي داخل البيت الداخلي لحزب “الجرار”.
وتعود جذور هذا التحالف غير المعلن إلى بدايات التأسيس؛ حيث كان التويزي يمثل القوة الانتخابية الضاربة على الأرض في جهة مراكش، بينما كان العماري يمسك بالخيوط التنظيمية والإستراتيجية من العاصمة. وفي محطات حاسمة، لعل أبرزها في خريف عام 2012، قاد إلياس العمري بنفسه اجتماعات موسعة بمراكش لإخماد الصراعات المحلية وهندسة ترشيح التويزي لرئاسة مجلس جهة مراكش تانسيفت الحوز، وهو الدعم الفوقي الشرس الذي ثبت أقدام التويزي كزعيم جهوي لا يمكن تجاوزه.
ولم يتردد التويزي في خرجاته الإعلامية في وصف العمري بأنه “رجل يستنشق السياسة والإعلام”، مدافعا عنه بوضوح عندما روج خصومه لإشاعات تنسيقه الخفي للإطاحة بالقيادات اللاحقة. واعتبر التويزي أن العمري عضو مؤسس قام بعمل مشكور، ويمتلك شبكة صداقات عابرة للأحزاب تجعل من الطبيعي والمنطقي أن يظل اسمه حاضرا كأحد الظلال المؤثرة في كواليس الحزب، مما يعكس طبيعة التويزي الذي يبدو أنه لا يفرط في تحالفاته القديمة حتى وإن تبدلت موازين القوى.
تيار مراكش
لا يمكن قراءة الصعود السريع لأحمد التويزي بمعزل عن تنامى قوة “تيار مراكش”، أو ما يُعرف داخل كواليس الرباط بـ”مجموعة بهجة”، وهو التيار الجغرافي والسياسي الشرس الذي أضحى يمسك بجميع مفاصل القرار التنظيمي والمالي والانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة. وتتربع فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للحزب ورئيسة الحكومة المعينة، على رأس هذا المحور؛ حيث تمثل الشرعية التاريخية والعائلية والارتباط المباشر بالنواة الصلبة الممسكة بزمام الحزب منذ مرحلة التأسيس، معتمدة على شبكة نفوذ محلية ووطنية وثيقة تتجاوز العمل الحزبي التقليدي إلى هندسة التحالفات الكبرى للدولة.
وإلى جانب المنصوري، يبرز أحمد اخشيشن، الوزير الأسبق والرئيس السابق لجهة مراكش آسفي، بوصفه “العقل المفكر” والمنظر الإستراتيجي للحزب. يتولى اخشيشن صياغة التوجهات الفكرية والسياسية والبرامج الانتخابية عبر موقعه في الأكاديمية التابعة للحزب، فضلا عن كونه القناة الدبلوماسية الأكثر موثوقية في التواصل مع الصالونات السياسية والدوائر العليا، مما يمنح تحركات المجموعة قدرة عالية على استشراف المنعطفات السياسية قبل حدوثها.
ويكتمل ضلع هذا المربع القيادي النافذ بكل من سمير كودار، رئيس مجلس جهة مراكش آسفي الحالي ورئيس القطب التنظيمي للحزب، الذي يمسك بـ”الآلة الانتخابية” وتوزيع التزكيات والموارد المالية الميدانية، ومحمد الصباري، البرلماني عن دائرة جليز والنائب السابق لرئيس مجلس النواب، الذي يمثل الامتداد الميداني والضبط القانوني بفضل خلفيته المهنية. هذا التحالف المراكشي المتماسك نجح عبر محطات الحسم التنظيمي في تحييد وإزاحة تيارات جغرافية أخرى كتيار الشمال أو تيار سوس، مما جعل اختيار أحمد التويزي لرئاسة البرلمان خطوة مدروسة لإحكام قبضة هذا التيار على المؤسستين التنفيذية والتشريعية في آن واحد.
مرايا المعاشرة
تتأرجح شهادات والآراء حول أحمد التويزي بين من عاشروه في بداياته بيسار السبعينيات وبين من زاملوه في منعرجات السياسة المعاصرة وأحزاب السلطة؛ وهي قراءات ترسم ملامح شخصية براغماتية شديدة الذكاء والتقلّب. ويرى فيه من جايلوه في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية خلال “الزمن الذهبي للنضال” مجرد “منشق” إيديولوجي فضّل إغراءات الكرسي والمشاركة الانتخابية على الصمود العقائدي، معتبرين أن قفزته الأولى عام 1983 نحو حزب الاتحاد الدستوري كانت بمثابة “الخطيئة السياسية الأولى” التي أسست لظاهرة الأعيان الجدد، حيث تحول من مناضل يرتدي جبة اليسار ويحمل هموم المدرسة العمومية إلى منسق محلي يتقن لغة المصالح وصناعة الخرائط الانتخابية بترخيص من السلطة.
وعلى النقيض من ذلك، ينظر إليه شركاؤه في العمل الحكومي والتشريعي كـ”رجل الصواب” وصاحب اللسان المراكشي “الحلو” الذي يتقن فك الشفرات وحل الأزمات التنظيمية بمرونة فائقة. ويصفه هؤلاء الحلفاء بأنه سياسي مألوف وميداني صلب لا يبيع الأوهام، بل يوازن بذكاء بين الوفاء لتحالفاته الكبرى وبين الحفاظ على المكتسبات الواقعية لحزبه ولإقليمه، معتبرين أن براغماتيته المرنة هي التي جعلته يصمد لثلاثة عقود كـ”رقم صعب” في جهة مراكش، متجاوزا جميع العواصف القضائية والسياسية.
أما الخصوم في المعارضة، وخاصة من تيارات الإسلام السياسي واليسار الراديكالي المقاطع، فيصفونه بـ”الصوت الشعبوي الشرس” الذي يتقن اللعب على الحبال ومحاولة الجمع بين الشيء ونقيضه. فهم يرون أنه لا يتردد في خرق الإجماع الحكومي أو توجيه تصريحات صادمة لابتزاز خصومه والتنصل من المسؤولية التدبيرية، معيدا ارتداء جلباب المعلم المدافع عن الشعب كلما ضاق عليه الخناق القضائي أو السياسي، ليبقى دائما في موقع الهجوم بدلا من الدفاع.
الملف القضائي
انطلقت الشرارة الأولى للمتاعب القضائية التي لاحقت أحمد التويزي في مطلع 2019، حينما تحركت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بناء على تعليمات الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بمراكش. وجاء هذا التحرك القضائي بناء على شكاية رسمية تقدمت بها الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب، مدعومة بتقارير أصدرها قضاة المجلس الأعلى للحسابات بخصوص تدبير جماعة آيت أورير. وتضمنت صكوك الاتهام شبهات تتعلق باختلاس وتبديد أموال عمومية، والتزوير في محررات رسمية واستعمالها، وإتلاف وثائق رسمية، والغدر والتدليس في صفقات استثمارية وتدبير قطاع التعمير.
وتطورت الأزمة القضائية سريعا في فبراير 2020 عندما مثل التويزي أمام قاضي التحقيق المكلف بجرائم الأموال يوسف الزيتوني. ولم يقتصر الأمر على الاستنطاق، بل أصدر القضاء قرارا احترازيا صارما قضى بسحب جواز سفره، وإغلاق الحدود في وجهه ومنعه من مغادرة التراب الوطني، مع وضعه تحت المراقبة القضائية. هذا القرار شمل أيضا مجموعة من شركائه في ذات الملف، والذين كان من بينهم قريبه لحسن التويزي الرئيس السابق لذات البلدية، ومسؤولون جماعيون وتقنيون ومهندسون ومقاولون، بالإضافة إلى رجل سلطة برتبة باشا.
وعلى الرغم من الطعون التي تقدم بها الدفاع، قررت الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف بمراكش إحالة التويزي ومن معه رسميا على غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم المال العام. وعاش التويزي لسنوات تحت مقصلة المتابعة القضائية العلنية والاهتمام الإعلامي المستمر، في وقت كان يقود فيه الفريق النيابي لحزب الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب. وتركزت جلسات المحاكمة الماراثونية حول تدبير الصفقات العمومية ومنح سندات الطلب، حيث أمرت المحكمة بإجراء خبرات تقنية متكررة لتحديد حجم الخسائر المالية المفترضة في المشاريع الجماعية المنجزة.
وبعد صراع قانوني مرير استمر لخمس سنوات، تنفس القيادي الحزبي الصعداء في ماي 2024 حينما قضت غرفة الجنايات الابتدائية ببراءته من التهم المنسوبة إليه بعدما أكدت الخبرة التقنية سلامة الإجراءات. ولم يتأخر حسم الملف بشكل نهائي، إذ أيدت غرفة الجنايات الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بمراكش حكم البراءة في نوفمبر 2024، ليسقط هذا العبء القضائي الكبير عن كاهله بشكل كامل. وخرج التويزي فور تبرئته بتصريحات قوية اعتبر فيها أن القضاء المغربي أنصفه من محاولات الابتزاز والظلم التي تعرض لها، والتشهير الممنهج الذي طال مساره السياسي.
ولم تكن الجماعة الترابية لآيت أورير الساحة الوحيدة للمطاردات القانونية والسياسية المتعلقة بملفات التدبير، بل امتدت الصراعات لتشمل ولايته السابقة كرئيس لمجلس جهة مراكش تانسيفت الحوز. وعلى الرغم من أن المتابعات الجنائية المباشرة في جرائم الأموال تركزت حول تسيير الجماعة، إلا أن الهيئات الحقوقية ظلت تلاحق التويزي إعلاميا ونقديا بخصوص تدبير مشاريع الجهة. وبلغ الاحتقان ذروته في أواخر عام 2025 عندما شهدت جماعة آيت أورير فضيحة سياسية وإعلامية تمثلت في نسف ندوة عمومية حول التدبير الجماعي ومحاربة الفساد، كان يؤطرها رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام محمد الغلوسي، حيث وُجهت اتهامات مباشرة للتويزي بإنزال موالين له لترهيب الحقوقيين ومنع نقاش الاختلالات المالية.
الصدام السياسي
لم تكن جبهة القضاء الساخنة وحدها المشتعلة، بل تميز مسار التويزي البرلماني بالعديد من الصدامات السياسية الساخنة والمفاجئة مع حلفائه في الأغلبية قبل خصومه في المعارضة. ففي شتنبر 2024، تفجرت أزمة صامتة وعميقة داخل التحالف الحكومي السابق حين قاد التويزي تحركا غير متوقع لتوقيع نواب من المعارضة على طلب تأسيس لجنة برلمانية لتقصي الحقائق حول طريقة تدبير وتوزيع الدعم العمومي المخصص لـ “أضاحي العيد”، وهو التحرك الذي اعتبر طعنة في ظهر الحكومة من الداخل. هذا السلوك دفع رئيس الحكومة آنذاك عزيز أخنوش لمهاجمته بشكل علني حاد خلال اجتماع لهياكل الأغلبية، واصفا سلوك التويزي بأنه مناف تماما لـ”الوفاء السياسي” وميثاق الأغلبية.
وعكست هذه المواجهة القوية طبيعة التويزي البراغماتية الشرسة، والذي يرفض الانصياع الأعمى للقرارات الفوقية، ويفضل دائما استخدام أوراق الضغط والمناورة لتعزيز موقع حزبه تفاوضيا وتأكيد حضوره كرقم لا يمكن تجاوزه. ولم يثنه غضب رئيس الحكومة عن مواصلة نهجه المشاكس، بل استمر في توظيف آليات الرقابة البرلمانية بطرق تخدم تموقعه الشخصي داخل الخارطة السياسية، واضعا مصلحته الحزبية والانتخابية فوق أي اعتبارات مرتبطة بالانسجام الحكومي الذي كان يراه مجرد حبر على ورق.
وامتدت هذه الصدامات لتشمل نقاشات القوانين المالية والتشريعات الكبرى، حيث كان يصر على فرض تعديلات حزبه بقوة مستغلا ثقله العددي داخل الغرفة الأولى. هذا الأسلوب الصدامي جعله محط ريبة مستمرة من طرف وزراء القطاعات السيادية والتقنوقراط، الذين كانوا يرون في تحركاته رغبة دائمة في ممارسة الضغط السياسي بغطاء تشريعي. غير أن مناوراته كانت تحقق أهدافها في النهاية، حيث كان ينجح في انتزاع مكاسب استثنائية لفائدة دائرته الانتخابية بالحوز لضمان استمرار ولائها.
المعارك الكلامية
أثارت تصريحات التويزي المباشرة تحت قبة البرلمان زوابع مجتمعية وإعلامية متتالية بسبب لغته الصادمة والجريئة في كثير من الأحيان، والتي تخرق صمت الصالونات السياسية وتتحلل من الدبلوماسية المعهودة. ولعل أبرز هذه المعارك تفجرت عام 2025 عندما فجر قنبلة سياسية من العيار الثقيل بحديثه الصريح تحت قبة البرلمان عن قيام بعض أرباب المطاحن بـ”طحن الورق والكرتون بدل الدقيق المدعم” الموجه للفقراء، وهو التصريح المثير للجدل الذي تسبب في نقاشات واسعة واضطر الرجل لتوضيحه وتلطيفه لاحقا بعد الضغط عليه، وسط اتهامات عريضة بنشر البلبلة والفزع بين المواطنين.
وفي ذات السنة، وجه التويزي مدفعيته الثقيلة نحو النخب السياسية والوزراء، معتبرا في تصريح مثير للجدل أن المسؤولين الذين يدرسون أبناءهم بـ”مدارس البعثات الأجنبية” والتعليم الخصوصي يفقدون تماما أي مشروعية أو مصداقية لإصلاح المدرسة العمومية المغربية. وتبرز هذه الخرجات الإعلامية العنيفة والمدروسة كيف يعود الرجل في أوقات الأزمات والضغط السياسي إلى جلباب “المعلم اليساري القديم” لمخاطبة ود الجماهير البسيطة، مستغلا قضايا اجتماعية بالغة الحساسية لتعزيز مشروعيته والظهور بمظهر المدافع عن المصلحة العامة.
ولم تسلم حتى وسائل الإعلام والصحافة من لسانه الحاد، حيث دخل في ملاسنات متعددة مع صحفيين اتهمهم بتزييف الحقائق لخدمة أجندات خصومه السياسيين أثناء فترة متابعته القضائية. هذه المواقف الصادمة كونت حوله هالة من الجدل المستمر، فبينما يرى فيه أنصاره قائدا شجاعا يقول الحقيقة دون مساحيق، يصنفه منتقدوه كظاهرة شعبوية تستغل منابر الدولة لإطلاق اتهامات دون أدلة، وهي التركيبة المثيرة والمشاكسة التي يتربع بها اليوم على رأس المؤسسة التشريعية للمملكة.


