أعادت الأرقام التي كشفت عنها المندوبية السامية للتخطيط، التي يترأسها الوزير السابق باسم التجمع الوطني للاحرار شكيب بنموسى، بشأن وضعية الأسر المغربية خلال الفصل الثالث من سنة 2026 طرح أسئلة بشأن الأثر الفعلي للسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي اعتمدتها حكومة عزيز أخنوش، في ظل استمرار تدهور الإحساس بمستوى المعيشة، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وضعف القدرة على الادخار، رغم التحسن المسجل في مؤشر ثقة الأسر مقارنة بالسنة الماضية.
وفي قراءة لهذه المعطيات، اعتبر الخبير الاقتصادي، أمين سامي، أن نتائج التقرير تكشف عن “مفارقة اقتصادية واجتماعية عميقة”، تتمثل في “وجود تحسن نسبي في مؤشر ثقة الأسر مقارنة بالسنة الماضية، مقابل استمرار تدهور الإحساس بالقدرة الشرائية وضعف الادخار والهشاشة المالية”.
وأوضح سامي، في تصريح لجريدة “سفيركم”، أن دلالة “هذه الأرقام تتجاوز التغير المسجل في مؤشر الثقة، بالنظر إلى حجم الضغوط التي تواجهها الأسر في تدبير نفقاتها اليومية، ومدى قدرتها على الحفاظ على توازنها المالي في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة”.
وتشير معطيات المندوبية إلى أن مؤشر ثقة الأسر بلغ 59,2 نقطة خلال الفصل الثالث من سنة 2026، مقابل 60,1 نقطة خلال الفصل السابق، و53,6 نقطة خلال الفترة نفسها من سنة 2025.
غير أن هذا التحسن لم ينعكس بالقدر نفسه على تقييم الأسر لوضعيتها المعيشية، إذ صرحت 76,3 في المائة منها بتدهور مستوى معيشتها خلال الاثني عشر شهرا الماضية، فيما لم تتجاوز نسبة الأسر التي سجلت تحسنا 5,2 في المائة.
وفي هذا السياق، قال سامي إن “حين تصرح 76,3% من الأسر بتدهور مستوى معيشتها، وتشعر 95,5% بارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتؤكد 39% أنها اضطرت إلى استنزاف مدخراتها أو اللجوء إلى الاقتراض، بينما لا تتجاوز نسبة الأسر القادرة على ادخار جزء من مداخيلها 2,8%، فإننا أمام مؤشرات جدية على اتساع الضغوط المعيشية والمالية التي تواجه الأسر”.
وتظهر نتائج المندوبية أن 95,9 في المائة من الأسر اعتبرت أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت خلال الاثني عشر شهرا الماضية، فيما أكدت 39 في المائة من الأسر أنها اضطرت إلى استنزاف مدخراتها أو الاقتراض لتغطية نفقاتها، ولم تتجاوز نسبة الأسر القادرة على ادخار جزء من مداخيلها 2,8 في المائة.
وتزداد هذه المؤشرات دلالة بالنظر إلى توقعات الأسر بشأن المستقبل، إذ أفادت 51,7 في المائة منها بأنها تتوقع تدهور مستوى معيشتها خلال الاثني عشر شهرا المقبلة، مقابل 8,7 في المائة فقط ترجح تحسنه. كما توقعت 61,3 في المائة ارتفاع عدد العاطلين عن العمل خلال الفترة نفسها.
بين الأرقام الرسمية والحكم على حصيلة الحكومة
وبشأن ما إذا كانت هذه النتائج تمثل “شهادة رسمية” على فشل حكومة عزيز أخنوش، دعا الخبير الاقتصادي إلى التمييز بين التشخيص الإحصائي والتقييم السياسي، مؤكدا أن “المندوبية لا تصدر أحكاما على الحكومات، وإنما تقدم معطيات رسمية تسمح بتقييم نتائج السياسات العمومية”.
وأضاف أمين سامي أن هذه النتائج “تطرح بشكل مشروع سؤال مدى فعالية السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي اعتمدتها الحكومة السابقة، خصوصا في حماية القدرة الشرائية، وتحسين الدخل الحقيقي، وخلق فرص الشغل، وتعزيز الأمن المالي للأسر، مع ضرورة استحضار تأثير الصدمات الخارجية والمناخية”.
وبذلك، يرى سامي أن أرقام المندوبية “لا تشكل حكما سياسيا مباشرا على أداء الحكومة، لكنها توفر معطيات رسمية يمكن الاستناد إليها في مساءلة أثر اختياراتها الاقتصادية والاجتماعية، ومدى قدرتها على تحسين الظروف المعيشية للمواطنين”.
وفي هذا الصدد، شدد سامي على أن “الإشكال الاقتصادي الأعمق يتمثل في وجود فجوة بين مؤشرات النمو الاقتصادي الكلي وبين التحسن الذي تلمسه الأسر في حياتها اليومية”.
وتطرح هذه الفجوة سؤالا بشأن مدى انتقال ثمار النمو والاستثمارات والبرامج الاجتماعية إلى دخل الأسر وقدرتها على مواجهة النفقات الأساسية، خصوصا أن المؤشرات الواردة في التقرير ترصد استمرار الإحساس بتراجع مستوى المعيشة، وضعف الادخار، وتزايد المخاوف بشأن البطالة.
النمو الاقتصادي لا يكفي لقياس النجاح الاجتماعي
واعتبر الخبير الاقتصادي أن “تقييم الحصيلة الحكومية ينبغي ألا يقتصر على حجم الميزانيات المرصودة أو البرامج التي جرى الإعلان عنها، بل يجب أن يستند إلى النتائج التي يمكن قياسها على مستوى معيشة المواطنين”.
ونبه سامي في هذا السياق إلى أن “تقييم الحصيلة الحكومية لا ينبغي أن يقتصر على حجم الميزانيات المرصودة أو البرامج المعلنة، بل يجب أن يستند إلى الأثر الفعلي والقابل للقياس لهذه السياسات على دخل المواطنين ومستوى معيشتهم”.
وتابع سامي، “النجاح في السياسات الاقتصادية والاجتماعية لا يقاس فقط بما تحققه المؤشرات الكبرى، وإنما أيضا بمدى تحول النمو الاقتصادي إلى قدرة شرائية أفضل، وفرص شغل منتجة، وقدرة أكبر للأسر على الادخار والعيش بكرامة”.
واستطرد سامي، “تضع هذه القراءة صناع القرار أمام تحدي التوفيق بين تحقيق النمو الاقتصادي وتحسين توزيع ثماره، بما يضمن انعكاسه على القدرة الشرائية، وفرص العمل، والاستقرار المالي للأسر، بدل أن يظل التحسن محصورا في مؤشرات كلية لا يشعر المواطن بأثرها بالضرورة”.
ويرى سامي أن “الأرقام تطرح أسئلة بشأن قدرة السياسات الاجتماعية على تخفيف أثر ارتفاع الأسعار، وتعزيز مداخيل الأسر، وتوفير فرص الشغل، في سياق لا تزال فيه غالبية الأسر تتوقع استمرار تدهور مستوى معيشتها أو ارتفاع أسعار المواد الغذائية”.
خمس منظومات لتحويل النمو إلى تحسن ملموس
وبخصوص المداخل الكفيلة بمعالجة هذه الاختلالات، دعا سامي إلى اعتماد مقاربة متكاملة تربط بين السياسات الإنتاجية والاجتماعية والمالية، موضحا أن “الاستجابة الاستراتيجية تقتضي الربط بين خمس منظومات: الإنتاج والتشغيل، والأسعار والدخل، والادخار والتمويل، والحماية الاجتماعية، والتنمية الترابية”.
وأوضح سامي أن “معالجة الضغوط المعيشية لا يمكن أن تتم عبر تدخل منفرد، بل تستدعي تنسيقا بين خلق فرص الشغل وتحسين الدخل، وتعزيز قدرة الأسر على الادخار، وتطوير الحماية الاجتماعية، والحد من الفوارق المجالية التي تؤثر على فرص الاستفادة من ثمار التنمية”.
ونبه سامي إلى أن “التحدي الاقتصادي في المغرب لم يعد مقتصرا على تحقيق نمو أعلى، بل أصبح يتمثل في تحسين جودة انتقال هذا النمو إلى الأسر، وتوزيع مكاسبه بصورة أوسع، وتحويله من تحسن إحصائي ظرفي إلى قدرة معيشية ومالية مستدامة”.


