بقلم: محمد رحال باحث في العلوم السياسية وقضايا حقوق الإنسان
لم يعد السؤال عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان متعلقاً بعجزه عن إصدار التقارير وتقديم الرأي الحقوقي للصناع القرار العمومي، بل بات يتصل بموقعه داخل المشهد الحقوقي الوطني، أين المؤسسة التي كانت، رغم ما وُجّه إليها من انتقادات، حاضرة في عدد من الملفات الاجتماعية والحقوقية، وقادرة على إبداء الرأي والتفاعل مع القضايا المطروحة وطنياً ودولياً؟
ففي عهد إدريس اليزمي، لم يكن المجلس بمنأى عن الملاحظات، سواء تعلق الأمر بحدود استقلاليته أو بمدى ناجعة تدبيره، غير أن حضوره في النقاش العمومي، ومواكبته لعدد من القضايا، وانفتاحه على الفاعلين الحقوقيين، منحته مكانة جعلت منه طرفاً يُنتظر موقفه عند بروز ملفات كبرى كما راكم، عبر عمله وعلاقاته الدولية، رصيداً ساهم في إبراز التجربة الحقوقية المغربية في محافل متعددة.
أما اليوم، فيتزايد الانطباع بتراجع أدوار المؤسسة، وبات حضورها في قضايا الحماية والنهوض بحقوق الإنسان أقل مما تقتضيه مكانتها الدستورية، وتثير بعض الأنشطة التي يطغى عليها الطابع البروتوكولي والسفر والتكريم، تساؤلات حول أولويات المجلس وحجم انخراطه في الملفات الحقوقية التي تشغل الرأي العام، فالمؤسسة لا تُقاس بما تحظى به قيادتها من حضور، بل بما تقدمه للمواطنين من حماية، وبما تتركه من أثر في السياسات العمومية وفي الدفاع عن الحقوق والحريات.
وينطبق الأمر نفسه على الحضورة المحتشم للمجلس في مواكبة حركة «جيل زد»، فمثل هذه الحركات، أياً كانت أشكالها أو مطالبها، تستدعي حضوراً حقوقياً مسؤولاً يواكب الوقائع، وينصت إلى الشباب، ويرصد طريقة تعامل السلطات مع الاحتجاجات، ويتابع مدى احترام الحق في التعبير والتجمع السلمي، وضمان السلامة الجسدية وعدم التمييز، مع توفير آليات فعالة للتحقيق والمساءلة عند وقوع أي تجاوزات، وكان من المفترض أن يعلن المجلس عن تصور واضح لمواكبة هذه الحركة، وأن يوضح آليات الرصد والاستماع والتواصل مع المحتجين والضحايا والشهود، بدل أن يظل حضوره غائباً أو محدوداً بما لا ينسجم مع أهمية الحدث وحساسيته الاجتماعية والحقوقية.
وينطبق الأمر نفسه أيضاً على أحداث سبتة صيف 2026، وما قد رافقها من تحركات جماعية ومحاولات عبور نحو المدينة المحتلة، في سياق اجتماعي وإنساني وأمني شديد الحساسية، فمثل هذه الأحداث أياً كان حجمها أو مآلها، تستدعي حضوراً حقوقياً استباقياً يواكب الوقائع، ويرصد أوضاع المهاجرين واللاجئين، ويتابع طريقة تدبير الحدود، ويولي عناية خاصة لاحترام الحق في الحياة والسلامة الجسدية، وضمان عدم التمييز، وتوفير آليات فعالة للتحقيق والمساءلة عند وقوع أي انتهاكات. وكان من المفترض أن يعلن المجلس، قبل حلول صيف 2026، عن تصور واضح للتعامل مع هذا الملف، وأن يوضح آليات الرصد والتدخل والاستماع إلى الضحايا والشهود، بدل أن يظل حضوره محدوداً أو متأخراً بما لا ينسجم مع حساسية الحدث وخطورته المحتملة.
وتزداد هذه التساؤلات إلحاحاً في ظل ما يُتداول بشأن استقالة الأمين العام، وانتهاء ولاية عدد من الأعضاء، وما يثار حول طريقة تدبير القرار داخل المؤسسة ومدى إشراك أجهزتها وأعضائها في مناقشة القضايا الأساسية. كما أن الحديث عن توتر مناخ العمل، وعن ملفات قضائية تخص أطر المجلس، يستدعي توضيحاً مؤسساتياً مسؤولاً؛ لأن أي اضطراب داخلي ينعكس، بالضرورة، على قدرة المؤسسة على أداء مهامها، وعلى ثقة العاملين بها والمتعاملين معها.
إن المجالس الوطنية لحقوق الإنسان لا تستمد قوتها من النصوص وحدها، بل من استقلال قرارها، وفعالية آلياتها، وحضورها الميداني، وقدرتها على الإنصات والتفاعل. ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق بأشخاص بقدر ما يتعلق بمستقبل مؤسسة وطنية يفترض أن تكون فضاءً جماعياً لحماية حقوق الانسان والنهوض بها .
وتبرز أهمية هذا النقاش اليوم أكثر من أي وقت مضى، في ظل التحولات المرتبطة بالقضية الوطنية. فالمغرب يحتاج إلى مؤسسة وطنية قوية ومستقلة، قادرة على تقديم الضمانات والتصورات الحقوقية التي تواكب أي مبادرة سياسية، بما فيها تنزيل الحكم الذاتي، وتؤكد احترام الحقوق والحريات والمشاركة وعدم التمييز. ومثل هذا الدور لا يمكن أن تضطلع به مؤسسة يخيّم عليها الجمود أو يضعف فيها العمل الجماعي.
ومن المكتسبات التي تستحق التثمين تجربة اللجان الجهوية لحقوق الإنسان، التي قرّبت المؤسسة من المواطنين وأسهمت في رصد الأوضاع الحقوقية محلياً وجهويا. وقد حظيت هذه التجربة باهتمام في تقارير دولية، من بينها تقارير الأمين العام للأمم المتحدة، خصوصاً في ما يتعلق برصد الوضع الحقوقي في الأقاليم الجنوبية، قبل أن تُحذف الإشارة إليها لاحقاً ضمن تقرير الأمين العام، لذلك فإن تراجع حضور هذه اللجان أو ضعف أدوارها يطرح سؤالاً جدياً حول مصير هذا المكتسب، وحول أسباب انحسار أثره في المرحلة الحالية، ومركزة القرار في يد الرئيسة .
قد يكون هناك شبه إجماع، في أوساط حقوقية، على أن المؤسسة تعيش حالة من الجمود أو تراجع الفاعلية،لكن تشخيص الأزمة لا يكفي؛ إذ لا بد من إرادة سياسية ومؤسساتية تعيد للمجلس مكانته، وتضمن استقلال قراره، وتجدد بنيته، وتفعّل أجهزته، وتفتح فضاءه أمام الأعضاء والفاعلين الحقوقيين.
فالمجلس الوطني لحقوق الإنسان ليس واجهةً ولا نشاطاً بروتوكولياً، بل مؤسسة دستورية يفترض أن تكون حاضرة حيث تُنتهك الحقوق، وأن ترفع صوتها حين يتطلب الأمر موقفاً واضحاً، وأن تسهم في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع وأن تلعب دور الوساطة في حل الملفات العالقة ولا تجعل المؤسسات الاستراتجية في مواجهة مباشرة مع الإشكاليات الاجتماعية والحقوقية.


