بقلم: مصطفى بن منصور
في مشهد برلماني اعتاد على ثنائية تقليدية، أغلبية تصفق ومعارضة تحتج، يبرز اليوم تموقع جديد ومختلف يفرض نفسه بقوة، إنه تموقع تحالف اليسار الذي قرر أن يشق طريقه كـ “خط ثالث” مستقل، لا يصطف هنا ولا هناك.
هذا التحالف المشكل من مكونات فيدرالية اليسار، لم يأت للبرلمان ليكون مجرد رقم تكميلي في معادلة الأغلبية والمعارضة، بل جاء ليعلن أن هناك صوتا آخر ممكنا، صوتا يعبر عن نفسه بوضوح داخل القبة، خارج منطق الولاء الأعمى أو المعارضة العدمية.
اختلاف مع الأغلبية الحالية.. اختلاف في المشروع.
يختلف تحالف اليسار مع الأغلبية الحالية، ليس اختلافا شخصيا أو حسابات سياسوية، بل اختلاف في العمق، اختلاف في المشروع المجتمعي.
فبالنسبة لليسار، اختيارات الأغلبية الحالية هي استمرار لسياسات ليبرالية متوحشة، تكرس اقتصاد الريع، وتضرب القدرة الشرائية للمواطنين، وتجهز على ما تبقى من المكتسبات في قطاعات التعليم والصحة والتشغيل. لذلك، فإن معارضته للأغلبية هي معارضة مبدئية لمشروع يراه لا يخدم سوى أقلية مستفيدة.
واختلاف مع المعارضة البنكيرانية.. اختلاف في الرؤية
إن صعوبة التنسيق اليوم مع حزب العدالة والتنمية، لا تكمن في الاختلاف الإيديولوجي، بل في كونه حزبا لا يملك قراره السياسي المستقل ، قراره مرتهن لشخص ومزاج بنكيران، ولهذا أصبح التنسيق معه مستحيلا.
لهذا السبب بالذات، يكرس تحالف فيدرالية اليسار نفسه كخط ثالث حقيقي داخل المشهد السياسي، خط مستقل يعبر عن نفسه بجرأة ووضوح داخل قبة البرلمان.
الفرق الجوهري هو في المشروع:
العدالة والتنمية لا يملك مشروعا مجتمعيا متكاملا للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي. ما يملكه هو رؤية دينية ودعوية ضيقة أكثر منها رؤية سياسية لإدارة الدولة. خطابه يرتكز على الحلال والحرام، وعلى الأخلاق والدين، بينما يغيب عنه جوهر السياسة: كيف نخلق الثروة؟ كيف نوزعها بعدل؟ كيف نصلح التعليم والصحة والشغل؟
المغاربة اليوم لا يحتاجون لمن يعظهم في الدين، فالدين في قلوبهم، بل يحتاجون لمن يقدم حلولا ملموسة لأزماتهم الاقتصادية والاجتماعية.
في مقابل هذا الفراغ، يقدم تحالف اليسار مشروعا مجتمعيا واضحا: دولة اجتماعية قوية، عدالة ضريبية، فصل حقيقي للسلط، وكرامة للمواطن.
ولعل الموقف الأخير خير دليل على هذا الفرق. ففي الوقت الذي صمت فيه الجميع، كان تحالف اليسار، الوحيد الذي أصدر بيانا رسميا ضد زيارة ملك إسبانيا لمدينتي سبتةومليليةالمحتلتين .
لهذا، فإن شعار “الخط الثالث” ليس شعارا تكتيكيا للتميز، بل هو تعبير عن حاجة موضوعية لوجود معارضة يسارية، مواطنة، تقدمية، تمارس دورها الرقابي بصرامة، وتقترح البديل، وتدافع عن قضايا الشعب من داخل المؤسسة، دون أن تبيع مبادئها لا للأغلبية ولا لمعارضة البيجيدي.


