تطرح الهندسة الوزارية للحكومة الجديدة، التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، أسئلة بشأن أولويات المرحلة المقبلة، في ظل إعادة توزيع عدد من القطاعات، وإحداث وزارة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، إلى جانب تعزيز حضور الوزراء المنتدبين وتكريس بعض التخصصات داخل القطاعات الحكومية.
وتكشف التشكيلة الجديدة، التي ترأس الملك محمد السادس مراسيم تعيين أعضائها، اليوم الجمعة 16 أكتوبر الجاري، بالقصر الملكي بالرباط، عن توجه يجمع بين الاستمرارية في تدبير عدد من القطاعات الاستراتيجية وإعادة ترتيب الاختصاصات، مع بروز تحديات مرتبطة بالتنسيق الحكومي والتمثيلية النسائية وتجديد النخب السياسية.
وفي قراءة لهذه الهندسة، يرى المحلل السياسي وأستاذ القانون الدستوري، رشيد لزرق، أنها “تعكس توجها نحو إعادة ترتيب الأولويات الحكومية بما يستجيب للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي يعرفها المغرب، مع الحفاظ على قدر من الاستمرارية في تدبير القطاعات الاستراتيجية”.
وقال لزرق، في تصريح لجريدة “سفيركم”، “تعكس الهندسة الوزارية لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري توجها نحو إعادة ترتيب الأولويات الحكومية بما يستجيب للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي يعرفها المغرب، مع الحفاظ على قدر من الاستمرارية في تدبير القطاعات الاستراتيجية”.
الذكاء الاصطناعي والسيادة الغذائية.. ملامح جديدة للأولويات الحكومية
تتصدر إعادة توزيع الاختصاصات أبرز ملامح الهندسة الحكومية الجديدة، من خلال إحداث وزارة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، وإلحاق النجاعة العمومية بوزارة الاقتصاد والمالية، فضلاً عن إعادة تجميع قطاعات التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل.
وشملت التغييرات إدماج الغابات ضمن وزارة التجهيز والماء، وإبراز السيادة الغذائية ضمن اختصاصات وزارة الفلاحة والصيد البحري، في توجه يعكس حضور رهانات التحول الرقمي وتطوير الإدارة العمومية وتعزيز الأمن الغذائي ضمن بنية الحكومة.
وفي هذا السياق، أوضح لزرق، “ويبرز هذا التوجه من خلال إحداث وزارة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، وإلحاق النجاعة العمومية بوزارة الاقتصاد والمالية، فضلاً عن إعادة تجميع قطاعات التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، وإدماج الغابات ضمن وزارة التجهيز والماء، وإبراز مفهوم السيادة الغذائية ضمن الاختصاصات الحكومية”.
وتضع هذه التغييرات الحكومة أمام اختبار ترجمة التوجهات المعلنة إلى سياسات عمومية منسجمة، خصوصاً في القطاعات التي تتقاطع اختصاصاتها مع أكثر من وزارة، بما يستدعي تنسيقاً فعالاً وتحديداً دقيقاً للمسؤوليات.
11 وزيراً منتدباً.. رهان التخصص وتحدي التنسيق
ويشمل هذا التوجه مجالات متعددة، من بينها العلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، والتجارة الخارجية، والصيد البحري، والتعليم الأولي ومحاربة الهدر المدرسي، والتكوين المهني والتأهيل، والإسكان، والشباب، والإدماج الاجتماعي، وإصلاح الإدارة، والصناعة التقليدية والاقتصاد التضامني، فضلاً عن إدارة الدفاع الوطني.
وتابع لزرق، “غير أن أبرز ما يميز هذه الهندسة هو الحضور الواسع للوزراء المنتدبين، البالغ عددهم 11 وزيراً من أصل 32 عضواً، بما يعكس توجهاً نحو تعزيز التخصص في تدبير بعض الملفات ذات الأولوية».
وحذر لزرق من أن “ومع ذلك، فإن تعدد المستويات الوزارية يطرح تحدياً يتعلق بوضوح الاختصاصات وفعالية التنسيق، خاصة أن نجاح الهندسة الحكومية لا يقاس بعدد القطاعات أو إعادة توزيع الحقائب، وإنما بقدرتها على تحقيق الالتقائية بين السياسات العمومية وترجمة الأولويات المعلنة إلى نتائج ملموسة”.
حضور النساء
على مستوى التمثيلية النسائية، تبرز مفارقة بين وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة وبين محدودية حضور النساء داخل مجموع أعضاء الفريق الحكومي.
ووفق قراءة لزرق، تضم الحكومة سبع نساء من أصل 32 عضواً، أي ما يقارب 21.9 في المائة، من بينهن أربع وزيرات منتدبات. ويعيد هذا المعطى طرح سؤال المناصفة في مواقع القرار، ومدى انعكاس الرمزية السياسية لتولي امرأة رئاسة الحكومة على التمثيلية النسائية في مختلف القطاعات.
وقال لزرق، “أما على هذا المستوى، فتبرز مفارقة سياسية لافتة في حكومة المنصوري؛ إذ رغم الرمزية التاريخية لوصول امرأة لأول مرة إلى رئاسة الحكومة، فإن الحضور النسائي داخل الفريق الحكومي يظل محدوداً، بسبع نساء من أصل 32 عضواً، أي بنسبة تقارب 21.9 في المائة، من بينهن أربع وزيرات منتدبات”.
وأضاف المتحدث ذاته،”ويعكس هذا المعطى استمرار الفجوة بين التقدم المحقق على مستوى الولوج إلى أعلى منصب في السلطة التنفيذية، وبين تكريس المناصفة في مجموع المسؤوليات الحكومية. كما يثير تساؤلات بشأن مسؤولية الأحزاب السياسية في تعزيز حضور الكفاءات النسائية داخل مواقع القرار، خصوصاً في القطاعات الاقتصادية والاستراتيجية».
وتشمل المسؤوليات المسندة إلى النساء في الحكومة الجديدة قطاعات الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، والأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة، إلى جانب مسؤوليات منتدبة في العلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، والتكوين المهني والتأهيل، والإسكان، وإصلاح الإدارة.
وأؤكد لزرق، “ومن هذا المنطلق، فإن الرهان لا ينبغي أن ينحصر في رمزية قيادة امرأة للحكومة، على أهميتها السياسية والمؤسساتية، بل في مدى قدرة هذه السابقة على إحداث تحول أعمق في الثقافة السياسية وممارسات تشكيل الحكومات، بما يجعل التمثيلية النسائية تعبيراً عن اختيار مؤسساتي مستدام، وليس مجرد تقدم رمزي في هرم السلطة التنفيذية”.
التشكيلة لم تخرج عن المتوقع
من جهتها، ترى الدكتورة في العلوم السياسية، شريفة لموير، أن التشكيلة الحكومية الجديدة لم تحمل مفاجآت كبيرة على مستوى توزيع الحقائب، بالنظر إلى احتفاظ حزب الأصالة والمعاصرة بعدد من الوزارات التي كان يشرف عليها في الحكومة السابقة.
وقالت لموير، في تصريح لجريدة “سفيركم” إن “تشكيلة الحكومية لم تخرج عن نطاق المتوقع خاصة ان حزب الأصالة والمعاصرة احتفظ بمجموعة من الوزارات التي كان يرأسها في النسخة الماضية و بالتالي هذا قد يفهم من منطلق مواصلة مسير المشاريع التي تم البدا بها”.
وتشير هذه القراءة إلى أن استمرار بعض المسؤولين والأحزاب في تدبير القطاعات نفسها قد يعكس رغبة في مواصلة المشاريع التي انطلقت خلال المرحلة السابقة، مع الحفاظ على قدر من الاستقرار في تدبير السياسات العمومية.
لكن هذا الاستمرار يفتح، في المقابل، النقاش بشأن قدرة الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحكومي على تجديد قياداتها وإعداد جيل جديد من الأطر القادرة على تحمل المسؤولية الحكومية.
وفي هذا السياق، لفتت لموير إلى أن “ما يلاحظ في باقي الاحزاب السياسية المشاركة في الائتلاف الحكومي هو عودة مجموعة من الاسماء التي كانت مشاركة في نسخ سابقة. و بالتالي هذا قد يعيد طرح تساؤلات من قبيل كيف يظهر الخلف من داخل هذه الاحزاب السياسية”.
وبخصوص حضور النساء، قالت لموير “الحضور النسائي حافظ تقريبا على نفس العدد، وهناك اسماء كانت مشاركة من قبل في نسخ ماضية ،و اعتقد ان اسناد مجموعة من القطاعات الحيوية لنساء هو خطوة جد إيجابية تعزز من بروز الكفاءات النسائية”.
ويضع هذا التقييم مسألة التمثيلية النسائية في صلب النقاش بشأن تشكيل الحكومة، ليس فقط من زاوية عدد النساء المشاركات، بل أيضاً من زاوية طبيعة القطاعات المسندة إليهن ومدى إتاحة الفرصة أمام الكفاءات النسائية لتولي مسؤوليات مؤثرة في صناعة القرار.
وبين إعادة توزيع الاختصاصات، وتوسيع دائرة الوزراء المنتدبين، واستمرار عدد من الوجوه الحكومية، تظل فعالية الهندسة الوزارية الجديدة مرتبطة بقدرتها على تحقيق الانسجام بين القطاعات، وتسريع تنفيذ البرامج، والاستجابة للأولويات الاقتصادية والاجتماعية.


