بقلم: عمر لبشيريت
يقول المغاربة في مثل بليغ: «اللي ما خرج من الدنيا ما خرج من عقايبها». كلنا مبتلون، وكلنا خطّاؤون. ويبقى للإنسان الحق في مستقبل بعد خطئه، وله الحق في المراجعة. وللمواطنين، كذلك، حق في الاطمئنان إلى من يضعون مستقبلهم بين يديه. تلك قاعدة أساسية عندما يختار الشخص مسار تدبير شؤون الناس والدولة.
حسنا فعلت رئيسة الحكومة، وهي تتخد قرار طلب إعفاء السيدة ماديحة خيير من منصبها الوزاري. وهو الطلب الذي قوبل بالموافقة الملكية، طبقا لأحكام الفصل 47 من الدستور.
اختُتمت الانتخابات التشريعية بواقعة «صاك» طنجة، وستظل هذه القضية تخدش صورة السياسة بالمغرب. وانطلقت ولاية الحكومة الجديدة بواقعة «السوابق»، وكانت ستظل تطارد فاطمة الزهراء المنصوري وحكومتها، لو لم تعالجها بشكل مستعجل.
هذه سابقة، ويجب أن تصبح تقليدا مغربيا، في التعامل مع “سوابق” المؤهلين والمرشحين لتحمل مسؤوليات الشأن العام.
عشنا نقاشا صحيا، وكانت الاستجابة لانتقادات وتساؤلات المواطنين سريعة. وهذا أمر إيجابي، ويجب أن يستمر.
ربما يريد البعض أن يصبح التطبيع مع السوابق التي تخلّ بالأهلية والأمانة، المفترض توفرها في الذين يتولون تدبير شؤون الدولة والمجتمع، عملة رائجة. وقع ذلك في الماضي، ويقع اليوم. وهذا يخلّ بشعارات تخليق الحياة العامة وتخليق الحياة السياسية.
الخيط رفيع جدا في الواقعة التي دشنت بها حكومة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري ولايتها الحكومية. ليس من العدالة أن يتحول الماضي إلى حكم أبدي، ولا من الإنصاف اختزال شخص في أسوأ ما ارتكبه. الجميع يتفق على هذا المبدأ. لكن هذا المبدأ الإنساني، على ضرورته، لا يكفي وحده لإسناد مسؤولية تدبير الشأن العام إلى صاحبه. فمن حق الإنسان أن يطلب فرصة جديدة، ومن حق المجتمع أن يسأل عمّن يستحق ثقته، وعمّن تتوافر فيه الأهلية.
من الواجب الأخلاقي والإنساني الدفاع عن فرصة أي شخص في التغيير واستدراك أخطائه ومراجعة نفسه. وفي المقابل، أجمعت المجتمعات الحديثة على حماية الشأن العام من الاستهانة بمعايير الأمانة والنزاهة. وهذا واجب أخلاقي وسياسي بالقدر نفسه. ويمكن للمجتمع أن يصون الواجبين معا: أن يتيح للفرد بناء حياة جديدة، وأن يطالبه بأدلة مقنعة على استحقاقه حين يطلب تدبير حياة الآخرين. في المحصلة، يمكن الدفاع بشراسة عن حق الفرد في حياته الشخصية، وبالشراسة نفسها يمكن الدفاع عن حق المجتمع في اختيار من تتوافر فيه الأهلية لتدبير شؤونه.
في هذا التمييز، وفي الخيط الرفيع بين المبدأين، يكمن جوهر النقاش الذي عشناه. فالعيش بكرامة، والعمل، واستعادة المكانة الاجتماعية، حقوق ينبغي حمايتها. أما تولّي المسؤولية الحكومية، والتصرف في الموارد العمومية، واتخاذ القرارات باسم المواطنين، فتخضع لشروط إضافية. والمسؤولية العامة أمانة تتعلق بحقوق الآخرين ومصالحهم، وتستدعي من الضمانات ما يتناسب مع حجم السلطة الممنوحة لصاحبها.
لا يمكن الاحتجاج بتبريرات «التقادم» و«الحياة الخاصة» عندما يتعلق الأمر بأفعال تُلحق ضررا بالمجتمع، وترقى إلى جرائم خيانة الأمانة والسرقة والتزوير والنصب والاحتيال. فمن يتولى الشأن العام يقرر في فرص الناس، ويدبر أموالهم المشتركة، ويشارك في وضع القواعد التي تنظم حياتهم. ولهذا، يصبح الصدق والشرف والنزاهة واحترام القانون متطلبات عملية لحماية المجتمع. فالكفاءة، مهما بلغت، تظل ناقصة حين تغيب الأمانة ومتطلبات استحقاق الثقة.
في الانتخابات الأخيرة، ورغم «منشطات» القاسم الانتخابي، لم تتعدَّ نسبة المشاركة 38,02٪. هذا العزوف الكبير يحتاج إلى الكثير من الجهد والجدية والإرادة السياسية، حتى لا يتحول خلال الانتخابات الجماعية القادمة إلى هروب جماعي من صناديق الاقتراع.
نحتاج في حياتنا السياسية إلى رجّة قوية في التخليق والشفافية والنزاهة. في عهد حكومة السيد عزيز أخنوش، وُوجهت جميع قضايا «الفراقشية» باللامبالاة والتجاهل و«الصمت الاستراتيجي»، حتى تحولت إلى سلاح انتخابي بين أحزاب الأغلبية خلال الحملة الانتخابية.
كان مطلوبا من السيدة فاطمة الزهراء المنصوري التحلّي بالشجاعة والجرأة لمخاطبة الرأي العام. لا ينفع «الصمت الاستراتيجي» ولا «حملات التضامن» لتنويم المغاربة، كما وقع في الماضي. “سوابق” أعضاء الحكومة، شأن مجتمعي ولا يمكن التساهل في ذلك.
هي مسؤولية السياسيين في الكشف عن “سوابقهم” التي تتعارض مع مقومات الأهلية، ومسؤولية الذين يقترحون و”يصنعون” الترشيحات، ومسؤولية الذين يدققون ويفحصون “البروفايلات” للتأكد من خلوها من “موانع الترشح”.
القاعدة بسيطة جدا: قِدَم الوقائع، إذا ثبت، لا يكفي للتنصل من المعايير السياسية والأخلاقية، ولن يكون باستطاعته منع أثرها على صورة الدولة. ومن يطلب الثقة العامة، عليه أن يقبل مساءلة متناسبة وموثقة عن كل ما يمسّ استحقاقه لها. ذلك أنه كلما اتسعت سلطة الشخص على الآخرين ازدادت مشروعية التدقيق في استحقاقه لها.
التسامح مع الماضي لا يمنح أحدا تفويضا على بياض لتدبير المستقبل.. مستقبل المواطنين.
ولذلك، لا ينبغي أن نتساهل مع “سوابق” أعضاء الحكومة، حتى وإن حدث أن استطاع البعض منهم تخطي كل البوابات الرقابية، ولم تكشفه مراحل الفحص والتدقيق التي تسبق التعيين، وحظي بتعيين الملك. فتصحيح الخطأ خير من الاستمرار فيه.


