بقلم: عمر لبشيريت
رغم خلو عبارات «مغاربة العالم» و«المغاربة المقيمين بالخارج» و«المهاجرين المغاربة» من الهمزة، فإن السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، لم تنطق أيًّا من هذه العبارات وهي تتلو التصريح الحكومي أمام البرلمان، اليوم الاثنين.
غاب «مغاربة العالم»، الذين يتجاوز عددهم 6,1 مليون نسمة، عن خطاب حكومة المنصوري وبرنامجها، مثلما غابوا عن حقائب التشكيلة الحكومية. مجرد جملة إنشائية ركيكة حُشي بها متن التصريح الحكومي، لا تقول أي شيء، ولا تعني شيئًا.
هكذا، غابت قضايا الجهة 13 عن حقائب الحكومة الجديدة وبرنامجها. هذه الجهة تضم 16,6٪ من عدد سكان المغرب (مغربيًّا واحدًا من كل ستة)، وتضخ في اقتصاد البلاد نحو 30٪ من المداخيل العادية للدولة.
لم يتكرم جشع الأحزاب في التهافت على الحقائب الوزارية على الجهة 13 بالمغرب ولو بوزارة منتدبة أو كتابة دولة، رغم أن نصف الحقائب الوزارية ليست سوى مديريات أو مصالح اقتُطعت من بعض الوزارات.
لماذا يكره المغرب مهاجريه؟ ولماذا تتعامل الدولة مع 16,6٪ من أبنائها بهذا الجحود واللامبالاة؟
إليكم الأرقام التالية، التي توضح كيف تتعامل الدولة مع أغنى جهة في المغرب.
بلغت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج 89.215 مليار درهم خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، فيما سجلت سنة 2025 حصيلة قياسية بلغت نحو 122 مليار درهم.
هذا الرقم يعادل نحو 7.1٪ من الناتج الداخلي الإجمالي في 2025. هذه الجهة تساهم في تمويل المدفوعات الخارجية وتخفيف الضغط الناتج عن عجز المبادلات التجارية. حتى إن مكتب الصرف يشدد على دورها المركزي في تمويل التوازنات الخارجية، وبدونها كان المغرب سيعيش أزمة اقتصادية خانقة في السيولة.
الأمر لا يتوقف عند هذا المستوى، بل إن ما يساهم به سكان الجهة 13 يفوق صافي الاستثمار الأجنبي المباشر بكثير (2,6 مرة)، ويقارب إيرادات السياحة، ويفوق صادرات الفوسفات ومشتقاته بـ46.1٪، أي بفارق 28.15 مليار درهم. كما يعادل 26.6٪ من مجموع صادرات السلع، أو نحو درهم مقابل كل أربعة دراهم من الصادرات، ويعادل 76.8٪ من صادرات قطاع السيارات، ويفوق صادرات الفلاحة والصناعات الغذائية بنحو 37٪.
تضخ هذه القوة البشرية والاقتصادية في شرايين الاقتصاد تحويلات تبلغ قيمتها ما يقارب ربع النفقات العادية والاستثمارية لميزانية الدولة، وتكاد تعادل نفقاتها الاستثمارية السنوية (129,4 مليار درهم).
على مستوى آخر، فإن نحو درهم واحد من كل ستة دراهم مودعة لدى البنوك يعود إلى مغاربة الخارج. ولكم أن تتصوروا مدى قوة هذه السيولة التي تُضخ في السوق المالية وأهميتها. فقد بلغت ودائع المغاربة المقيمين بالخارج لدى البنوك المغربية 235.5 مليار درهم في نهاية غشت 2026، بحسب بيانات بنك المغرب. وإذا فحصنا هذا الرقم بمزيد من التفصيل، فسنجد أن حصة مغاربة الخارج تصل إلى 22,7٪ من مجموع ودائع الأسر المغربية (البالغة 1,037.2 مليار درهم)، في حين تصل هذه النسبة إلى 16,4٪ من مجموع الودائع البنكية (1,531.2 مليار درهم)، حسب آخر أرقام بنك المغرب.
لنواصل مع مؤشر آخر. تكشف لنا دراسة للمندوبية السامية للتخطيط، نُشرت سنة 2022 اعتمادًا على البحث الوطني للهجرة 2018–2019، أن 75.2٪ من الأموال المحوّلة من مغاربة الخارج إلى الأسر المغربية داخل البلاد كانت مخصصة للنفقات اليومية: 31,3٪ لنفقات الغذاء والملابس، و18٪ للأدوية والصحة، و25,9٪ لنفقات استهلاكية أخرى. وبإضافة التعليم والكراء وسداد الديون ونفقات جارية أخرى، تصل حصة النفقات العادية من الأموال التي تتلقاها الأسر المغربية من عائلاتها وأقاربها بالمهجر إلى 87.1٪.
ألا تستحق الجهة 13 من المملكة العناية والاهتمام، عوض تلك الجملة الإنشائية اليتيمة والركيكة؟
لنترك لغة الأرقام جانبًا، ونفحص لغة السياسة والمؤسسات.
عمليًّا، تتولى ثلاث مؤسسات تمثيل مغاربة الخارج. أولًا، وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج. تنبثق عن هذه الوزارة كتابة دولة مكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج، ثم تختفي، حسب توزيع غنيمة الاستوزار، وحسب مزاج المكلفين بهندسة الحكومات. لهذا، لا يتعلق الأمر بإرادة سياسية قائمة ودائمة، بقدر ما يتعلق بإرضاء «كوطا» الاستوزار.
فخلال حكومة عزيز أخنوش، تم الاستغناء عنها، وهو ما واصلته حكومة فاطمة الزهراء المنصوري. بهذا، لم يسبق أن كانت شؤون مغاربة الجهة 13 قطاعًا وزاريًّا مستقلًّا وقائمًا بذاته. مجرد عجلة «سكور» تظهر وتختفي.
ثانيًا، تأتي مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج. هذه المؤسسة العجيبة والغريبة اجتمع مجلسها الإداري مرة واحدة ووحيدة سنة 1997. ومنذ هذا التاريخ، لم تُجدَّد هياكلها ولا عضوية مجلسها الإداري، رغم أن المادة 5 من القانون الأساسي تلزمها بعقد اجتماع لمجلسها الإداري مرة كل نصف سنة على الأقل، وإعداد برنامج عمل وحصر الميزانية والحسابات.
ثالث الأثافي هو مجلس الجالية المغربية بالخارج. هذا المجلس أُحدث بظهير في دجنبر سنة 2007 لولاية أولى مدتها أربع سنوات، وأصبح مؤسسة دستورية بموجب الفصل 163 من دستور 20111.
ظل هذا المجلس جامدًا منذ إحداثه؛ فلم يصدر قانون إعادة تنظيمه حتى الآن، ولم تجرِ إعادة هيكلته وتجديد عضويته منذ 2007، إلى درجة أن الكثير من الأعضاء المعينين إما لم يعودوا مهاجرين، وإما ذهبوا إلى حال سبيلهم.
ورغم أن الملك شدد، في ثلاثة خطب، على ضرورة إخراج قانون إعادة تنظيمه، فإن شيئًا لم يحدث. مجلس مشلول، لا يوجد على رأسه غير الرئيس.
وفي خطاب 6 نونبر 2024، أمر الملك محمد السادس بإحداث «المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج»، كبديل يجمع كافة المؤسسات التي تُعنى بشؤون الجالية، ويكون بمثابة الذراع التنفيذية للسياسة العمومية الموجهة إليها. مرت سنتان، ولم تجتمع الحكومة لإخراج هذه المؤسسة إلى حيز الوجود ووضع القانون المُحدِث لها.
لن نتحدث عن الحق الدستوري الذي نص عليه دستور 2011 بشأن حق مغاربة الخارج في الترشح والتصويت في الانتخابات البرلمانية. فذلك يُعد من باب الخيال العلمي.
نحن، اليوم، أمام سياسة إقصاء مباشر ومتعمد لأهم رافعة اقتصادية واجتماعية للبلاد، ولأزيد من 6,1 مليون مغربي.
غريبون في أوطان أخرى، وغريبون في وطنهم. بلد يفتح ذراعه أمام تحويلات مهاجريه، لكنه يترك مواطنتهم على الحدود. تلك هي الطريقة المغربية في التعامل مع أبنائه بالخارج..
“مرحبا..بكم”.








